بلدية عين الجديدة… نموذج رائد في التنمية المستدامة


على كتف أحد جبال قضاء عاليه، في محافظة جبل لبنان تعتلي عين الجديدة بهدوئها وسموّها، كأنها نجم يضيء الأرض قبل أن يلامس السماء.
تتجلّى روعة البلدة في تضاريسها الجبلية ذات المنحدرات المتوسطة، إذ ترتفع بين 850 و1000 م عن سطح البحر، وتمتد على مساحة كيلومتر مربع واحد، على بعد نحو 19 كلم عن العاصمة بيروت ، تتمتع البلدة بموقع جغرافي استراتيجي يجمع بين القرب من الساحل وارتفاعها على الجبل، مما يزيد من قيمتها السياحية، والاصطيافية والعمرانية، ويجعلها وجهة مفضلة للسكن والاستجمام.
أما مناخها فهو معتدل صيفاً، إذ تبقى درجات الحرارة مقبولة مقارنة بالمناطق الساحلية، بينما يكون الشتاء بارداً مع احتمال تساقط الثلوج أو تشكل الصقيع في بعض الفترات، وتشهد البلدة تساقطاً جيداً للأمطار خلال فصل الشتاء، ما يساهم في تجدد غطائها النباتي. يحيط بها عدد من البلدات مثل بحمدون الضيعة، بعلشمية، بخشتية ومدينة عاليه، ويمكن الوصول إليها عبر طريق عاليه الرئيسي.
وما إن تطأ قدماك البلدة، حتى تستقبلك طبيعتها النضرة، حيث تتناثر أشجار الصنوبر والسنديان، وتتوشح بالحياة والصفاء. ولا يكتمل هذا الجمال دون بساتينها وأشجار الزيتون والعنب، لتشكل معاً لوحة ريفية غنية. كما تحتضن عين الماء الطبيعية، التي استمدت منها البلدة اسمها العريق، فتضفي على الأرجاء وهجاً من الجمال والحيوية.
تضم البلدة معصرة دبس قديمة، ما زالت تنبض بروحها التراثية رغم تعاقب السنين، فيما يطمح الأهالي إلى ترميمها وإحيائها من جديد إلى جانب ذلك، تحتضن عين الجديدة أحد بيوتها القديمة المعروف بـــ “بيت العودة”، وهو من بقايا المعالم الأثرية التي شهدت على تاريخ المنطقة وأصالتها. وتعمل البلدية اليوم على الحفاظ على الحجارة المندثرة حوله، لإعادة بناء نموذج مصغر يجسد ملامح البيت القروي، في خطوة تهدف إلى إحياء التراث وتعزيز الهوية الريفية. فعين الجديدة ليست فقط مكاناً ذا طبيعة فاتنة، إنما أيضاً، ذاكرة حية تختزن في بيوتها العتيقة قصصاً من زمن مضى، تنبعث من جدرانها رائحة الحنين وعبق الأيام الخوالي.
ونظراً لطبيعتها الخضراء، وموقعها المتوازن، الجامع بين الطابع الريفي والقرب من العاصمة، أصبحت البلدة مقصداً للعديد من العائلات العربية والخليجية التي اختارتها لبناء القصور والفلل الخاصة بها، لما توفره من راحة وهدوء وإطلالة بانورامية على الساحل اللبناني تمتد نحو زرقة الأفق .
أما أبناؤها، فيتّسمون بروح اجتماعية سامية، إذ يمثلون أسرة واحدة متشابكة الأواصر، قوية الروابط، متماسكة في كل خطوة. تجمعهم علاقات إنسانية متينة نسجتها سنوات من الاحترام والمحبة المتبادلة، ويقف الواحد منهم إلى جانب الآخر في الأفراح والأتراح. إنه تماثل اجتماعي راسخ القيم، يعكس انتماءهم العميق لموطنهم وحرصهم على ارتقائه وصون تراثه والإبقاء على صورته المشرقة. ومن أبرز رجالات البلدة، الاستاذ وديع صبرا ملحن النشيد الوطني اللبناني، والممثل والمنتج الكبير شوقي متى.
على صعيد الإدارة المحلية، يتولى رئاسة المجلس البلدي في عين الجديدة حالياً الأستاذ إيلي شارو جبور، ويضم المجلس مجموعة من الأعضاء الأكفاء، الذين يواصلون العمل بجهد وعزيمة ساعين إلى إحداث نقلة نوعية تجسد طموحات الأهالي وتطلعاتهم. ويذ كر أن جبور شخصية متصالحة مع ذاته، وقد وضع نصب عينيه مصلحة بلدته، من خلال خطة شاملة تتناول جوانب عدة، وتهدف إلى تحقيق أهداف تنموية صائبة تنسجم مع الواقع وتسهم في نمو المحيط وتطوير الموارد.
ولا يمكن الحديث عن التنمية من دون التوقف عند ملف المياه، إذ تُعد الموارد المائية أحد أهم المقومات الأساسية لاستمرارية الحياة. ومع التزايد السكاني والتوسع العمراني، باتت المياه تتعرض لضغوط كبيرة، ما يستدعي الحاجة إلى تطبيق مفاهيم فعالة لإدارة هذه الموارد، تضمن استدامتها وحسن توزيعها.
وفي هذا الإطار، تعمل البلدية على إيجاد حلول عملية تضمن استمرارية الخدمة وجودتها، بالتعاون مع مصلحتي مياه جبل لبنان والباروك. حيث تُعنى بتنظيم هذا القطاع، ومتابعة شبكاته، وتطوير أساليب التوزيع لتأمين وصول المياه إلى جميع المنازل وتحقيق الاستدامة المطلوبة.
وانطلاقاً من هذا التوجه، قامت البلدية بتركيب نظام للطاقة الشمسية على بئر المياه، ما ساهم في خفض الكلفة التشغيلية وتعزيز كفاءة الخدمة ، وبهدف ترشيد استهلاك المياه وضمان استفادة أكبر عدد ممكن من السكان، باشرت البلدية بتركيب عدادات إضافية، وتمكنت من الكشف عن الأعطال والمواقع التي كانت تتسبب بتسرب المياه ومعالجة مكامن الخلل بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المائية، وتوزيعها بشكل عادل بين الأهالي والقاطنين.
وفي هذا السياق، تعمل البلدية في المستقبل القريب على تركيب عدادات ذكية في كل منزل، بما يتيح مراقبة الاستهلاك بدقة أكبر ، وفي إطار سعيه المستمر لتحسين إدارة ملف المياه، يدرس المجلس البلدي اليوم إمكانية عقد شراكة مع وزارة الطاقة والمياه ضمن إطار اتفاقية ” الشراكة بين القطاعين العام والخاص”، وذلك بعد صدور القانون الذي يتيح للإدارات العامة التعاون فيما بينها. وتشير هذه الخطوة إلى الدور المحوري الذي تضطلع به البلدية، بصفتها الجهة الأقرب إلى الواقع الميداني، والأكثر دراية بالتحديات اليومية التي تواجه البلدة، ما يجعلها الأقدر على إدارة هذا الملف الحيوي ومتابعته بالتنسيق مع الجهات المعنية لتحقيق استدامة الموارد.
وفي موازاة جهود البلدية في قطاع المياه، تحظى مسألة الكهرباء باهتمام متزايد، حيث يجري العمل حالياً على استكمال دراسة متكاملة تمهيداً لإطلاق شراكة بين القطاعين العام والخاص. ويهدف هذا المشروع إلى التعاون مع إحدى الشركات أو المستثمرين لإنشاء نظام طاقة شمسية خاص، يتيح تأمين الكهرباء عبر شبكة مستقلة تضمن استقرار التغذية، خصوصاً في ظل العجز القائم عن تلبية حاجة البلدة بالمولد الكهربائي الحالي.
كما تُنفذ حالياً أعمال لتطوير خدمات الانترنيت وتركيب كاميرات مراقبة على المداخل الرئيسية للبلدة، بما يعزز جودة الخدمات ويرفع مستوى الأمن والمراقبة، ويساهم أيضاً في جمع البيانات والإحصاءات الإدارية بكفاءة أعلى.
على صعيد صيانة الطرقات والمرافق العامة، شملت الأعمال تأهيل الأرصفة القائمة واستحداث أرصفة جديدة، بالإضافة إلى إعادة ترميم بعض الجدران العامة على الطرق باستخدام الحجر الصخري التجميلي، بما يمنح المحيط طابعاً حضارياً مميزاً ، إلى جانب ذلك، تم في المجال التجميلي، زراعة المسطحات الخضراء التجميلية في الأحياء والشوارع مع اختيار نباتات وزهور متناسقة تثري المنظر الطبيعي. كما غُرس عدد كبير من الأشجار الباسقة حرصاً على تناغمها مع البيئة المحلية.
وتتوسط البلدة مستديرة رئيسية، جرى إحياؤها من خلال تأهيلها وتشجيرها واستحداث إنارة عصرية تبرز جمالها البهي. ولم يقتصر العمل على ذلك، إذ افتتحت البلدية الحديقة العامة التي أصبحت ملتقى للأهالي، ليس فقط للتواصل اليومي، بل أيضاً لتنظيم الفعاليات الثقافية والرياضية والترفيهية، وتنمية التفاعل الاجتماعي بما يجعلها فضاءً حياً يجمع بانسجام بين رونق المكان ونبض الحياة الاجتماعية.
وبالتوازي مع هذه المشاريع التجميلية والبيئية، خطت البلدية خطوة إنمائية مهمة، تمثلت في وضع حجر الأساس للمبنى البلدي الجديد، المؤلف من ثلاثة طوابق، والذي يتميز بهندسته العصرية الأنيقة التي تعكس روح التجدد في المنطقة. وقد صُمم المبنى ليكون مركزاً إدارياً متكاملاً، يضم مستوصفاً صحياً، وقاعة مؤتمرات، ومكاتب إدارية، ومكتباً للمختار، إلى جانب مرافق خدمية أخرى.
وفي سياق متصل، تستعد البلدية لإطلاق مشروع المكننة الإدارية الشاملة، في مسعى لتحديث الأداء البلدي وتسهيل إنجاز المعاملات الرسمية. ويأتي ضمن هذا الإطار، إطلاق تطبيق بلدي رقمي يتيح للمواطنين تقديم طلباتهم إلكترونياً ومتابعتها عبر الهاتف الذكي.
ومن جهة أخرى، وفي إطار حماية البيئة، تواصل البلدية مساعدة الأهالي في إدارة الجور الصحية، من خلال تحمل جزء من تكلفة تصريف المخلفات، وتشجيع المواطنين على التخلص الآمن والسليم منها. كما تفرض رسوماً على المخالفين الذين يقومون بتفريغ المخلفات على الطرق أو في الأراضي الزراعية، نظراً لما تشكله من خطربيئي وصحي كبير.
وفي الإتجاه نفسه، تم التعاقد مع شركة ” City Blue” لجمع النفايات، ومع شركة” Go Green” لفرزها، كما يجري استحداث موقع مخصص لجمع المخلفات البيئية، بما يضمن إدارة منظمة ومستدامة للنفايات.
وحرصاً على انسياب مياه الأمطار بسلاسة ومنعاً لأي فيضان أو انسداد، تقوم البلدية بتنظيف أقنية تصريف مياه الشتاء بشكل دوري، كما بادرت إلى شراء مختلف المعدات والمستلزمات الضرورية لأعمال الصيانة وتنفيذ مشاريع البنية التحتية.
كذلك، تولت صيانة مركباتها الخاصة لتأمين جهوزيتها الدائمة، وتوفير كل ما يلزم للموظفين والفرق الفنية لإتمام المهام باحترافية عالية.
واستكمالاً لنهجها في الاهتمام بشؤون المواطن، نظمت البلدية بالتعاون مع “مستشفى أوتيل ديو”، يوماً طبياً للاستشارات المجانية تخللته فحوصات مجانية للسكري وضغط الدم.
وفي سياق التعاون المشترك بين جمعية “إنماء” وبلدية عين الجديدة، أقيمت حملة صحية مجانية هدفت إلى العناية بصحة النظر، تضمنت فحوصات بصرية وتوزيع نظارات طبية مجانية للرؤية القريبة، استفاد منها عدد من الأهالي ، وانسجاماً مع الأنشطة السابقة في المجال الصحي، قامت الفرق النقالة التابعة للصليب الأحمر اللبناني، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة والبلدية، بتنفيذ حملة تلقيح مجانية للأطفال، شملت أكثر من 40 طفلاً، في خطوة أساسية نحو تعزيز الوقاية المجتمعية وحماية جيل المستقبل من الأمراض. وقد جسدت هذه الحملة روح الشراكة والتعاون بين الجهات المعنية في سبيل خدمة الأهالي وضمان حق الأطفال في الرعاية الصحية.
وفي إطار نشاطاتها الصيفية المتنوعة والموجهة إلى جميع فئات المجتمع، استضافت البلدية عرضاً ترفيهياً مبهجاً للأطفال بالتعاون مع فرقة Cirquencel، حيث قدمت عروضاً بهلوانية مبتكرة ملأت أجواء المكان بالفرح والحماس، ورسمت الابتسامة على وجوه الصغار وأشعلت في قلوبهم البهجة.
ويأتي هذا النشاط ضمن رؤية البلدية الهادفة إلى تنمية الحياة الثقافية والفنية في البلدة وتهيئة مساحات آمنة وممتعة تمكن الأطفال من قضاء أوقات صيفية مليئة بالمرح والإبداع ، وعلى الصعيد الرياضي، تولي البلدية رعاية خاصة للشباب، انطلاقاً من إيمانها بأن الرياضة تشكل أساساً لحياة صحية ومتوازنة، وتسهم في إبعادهم عن السلوكيات الاجتماعية الضارة.
وقد عمدت إلى دعم النشاطات الرياضية من خلال تأهيل ملعب البلدة، وتشجيع إقامة الفعاليات الرياضية المتنوعة، إلى جانب إنشاء لجنة متخصصة تُعنى بتحفيز مشاركة الشباب وتنمية مهاراتهم الرياضية.
ويجدر بالذكر، أن البلدية تقدم الدعم اللوجستي في جميع النشاطات، وتشرف على التحضيرات الخاصة لكل المناسبات والاحتفالات التي تُقام في عين الجديدة، بما يضمن بيئة منظمة وناجحة لجميع البرامج والمشاريع ، ومن خلال هذه الجهود تؤكد البلدية دورها في الوقوق إلى جانب المواطن، ومساندته في كل ما يتعلق باحتياجاته المجتمعية، لتكون حاضنة للتنمية والتفاعل الإيجابي في المجتمع المحلي.



























