مشروع “قناة سلمان” إلى الواجهة مجددا: هل يُعالج تداعيات إقفال مضيق هرمز؟


“ليبانون ديبايت”- باسمة عطوي
عاد الضوء إلى مشروع “قناة سلمان”، الممر المائي العملاق الذي يهدف لربط الخليج العربي ببحر العرب عبر صحراء الربع الخالي، لتجاوز مضيق هرمز الذي يُشكل أحد وسائل الضغط “الموجعة” في الحرب الدائرة حاليا في المنطقة، والذي يطال تأثيره ليس فقط إقتصادات دول الخليج بل أيضا الإقتصاد العالمي ككل.
في التوصيف الجغرافي يُخطط ل”قناة سلمان”أن تمتد بطول نحو 950-960 كم، بعمق 25 مترًا، وعرض 150 مترًا، بتكلفة تقديرية تبلغ 80 مليار دولار(في العام 2015)، ويبدأ مسارها من الخليج العربي (خور العديد) ويمر عبر الرُبع الخالي السعودي واليمني ليصل إلى بحر العرب.الهدف الإستراتيجـي من القناة هو تأمين صادرات النفط الخليجية بعيداً عن التوترات في مضيق هرمز وباب المندب، يُتوقع أن يُنشئ 1200 كم من السواحل الجديدة، ويحوّل الربع الخالي إلى واحة خضراء بمدن صناعية وسياحية ومشاريع زراعية، لكن التحديات التي تواجه المشروع هي أنه لا يزال في إطار الدراسات والأفكار ولم يبدأ تنفيذه فعلياً، ويواجه تحديات هندسية، وبيئية، ومالية كبيرة.
قانصو: “قناة سلمان” لمعالجة إعتماد العالم على ممر مائي واحد!
يشرح الخبير المالي والاقتصادي الدكتور واجب قانصو لـ”ليبانون ديبايت”، الحيثيات السياسية الذي أعادت “قناة سلمان” إلى الضوء بالرغم من أنه المشروع طُرح للمرة الأولى في العام 2015، فيقول:”أدّت ردود إيران على الضربات الأميركية–الإسرائيلية إلى توقف عبور نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً — أي ما يعادل خُمس الإمدادات العالمية — كما جُمِّدت إلى حد كبير حركة تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم”، مشيرا إلى أن “سعر النفط تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، وقفزت أسعار الأسمدة في ذروة موسم الزراعة، فيما أذنت الوكالة الدولية للطاقة بأكبر عملية سحب من الإحتياطيات الطارئة في تاريخها، مما أنتج ألماً اقتصاديا حقيقيا، وعالميا، ومتوقعاً بالكامل”.
يضيف:”وفقاً للتحليلات الإقتصادية، تتراوح الخسائر المتوقعة للإقتصاد العالمي من إغلاق هرمز بين 330 مليار دولار في حال صراع قصير (أسبوعان إلى ثلاثة)، و770 مليار دولار في حال صراع متوسط (4 إلى 6 أسابيع)، وصولاً إلى 2.2 تريليون دولار في حال صراع مطوّل (3 إلى 6 أشهر). في السيناريو المتوسط وحده، يُتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الخليجي بنسبة 11 بالمئة، وأن يرتفع التضخم العالمي بنقطة مئوية كاملة. إنها الكلفة الفعلية لإعتماد العالم على ممر مائي واحد”، لافتا إلى أنه “في خضم هذه الأزمة، عاد إلى الواجهة مقترح طُرح لأول مرة عام 2015: قناة سلمان، كفكرة جريئة، وهي ممر مائي إصطناعي بطول 950 كيلومتراً يربط الخليج العربي بخليج عدن عبر المملكة العربية السعودية واليمن، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل”.
يعتبر قانصو أن “الحجّة الإقتصادية وراء المشروع قوية. فالقناة ستُنهي إعتماد الخليج على نقطة إختناق واحدة بطول 33 كيلومتراً تخضع لسيطرة إيران. كما ستُخفِّض مسافات الشحن لصادرات الطاقة المتجهة إلى شرق أفريقيا وما بعدها إلى النصف. ومثل قناة السويس التي تدرّ على مصر نحو 9 إلى 10 مليارات دولار سنوياً، يمكن أن تُولّد قناة سلمان مليارات الدولارات من رسوم العبور، لتشكّل مصدراً دائماً للإيرادات غير النفطية، منسجماً تماماً مع أجندة التنويع الاقتصادي في رؤية السعودية 2030″، مُشددا على أن “من شأن المشروع أيضاً أن يفتح الربع الخالي أمام التنمية، ويوفّر ما يصل إلى مليون فرصة عمل في اليمن، ويعود بالفائدة على جميع دول مجلس التعاون الخليجي التي تمر صادراتها من الطاقة حالياً عبر مياه تخضع للنفوذ الإيراني. وربما الأهم من ذلك أنه سيُقلّص بنيوياً ما يُعرف بـ”علاوة مخاطر هرمز” التي تضيف ما بين 5 و15 دولاراً إلى سعر كل برميل نفط خلال فترات التوتر — وهي ضريبة خفية تدفعها في النهاية كل الإقتصادات المستوردة للنفط في العالم”.
عوائق مالية وجغرافية وسياسية هائلة!
في المُقابل يرى قانصو أن “العوائق المالية لا تقل هولاً. فالتقدير الأولي لكلفة المشروع عام 2015 والبالغ 80 مليار دولار إرتفع لاحقاً ليصل إلى نحو 250 مليار دولار. كما أن القناة يجب أن تعبر تضاريس صحراوية ترتفع في بعض مناطقها إلى 700 متر فوق مستوى البحر، ما يتطلب أنظمة أهوسة ورفع سفن تضاهي في تعقيدها الهندسي تلك المستخدمة في قناة بنما، ولكن في واحدة من أكثر البيئات جفافاً على كوكب الأرض”، موضحا أنه “لتقدير كلفة الفرصة البديلة يبلغ حجم أصول صندوق الإستثمارات العامة السعودي نحو 1.15 تريليون دولار، مما يجعله خامس أكبر صندوق سيادي في العالم. و مبلغ 250 مليار دولار يمثّل نحو 22 بالمئة من إجمالي هذه الأصول — أي أكثر من خُمس ثروة الصندوق بأكملها ستُجمَّد في مشروع واحد لعقد من الزمن على الأقل، في وقت يواجه فيه الصندوق أصلاً شطباً بقيمة 8 مليارات دولار في مشاريعه العملاقة، وتأخيرات حادة في مشروع “ذا لاين” في نيوم. أي إنه إلتزام مالي يفوق ما أنفقته المملكة على التسلّح في ثلاث سنوات كاملة”.
يضيف:”فوق ذلك، يمر نحو ثلث مسار القناة عبر اليمن، حيث ما تزال جماعة الحوثي قادرة على تنفيذ النوع ذاته من الهجمات غير المتكافئة التي صُمِّمت القناة أساساً لتجنّبها. فممر مائي مفتوح بطول 950 كيلومتراً سيشكّل مساحة هائلة محتملة للهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ. وبذلك لن تُلغي القناة التهديد الإيراني، بل ستنقل نقطة الضعف من ممر طبيعي إلى ممر من صنع الإنسان — وقد يكون هذا الأخير أكثر هشاشة”.
والسؤال هنا هل تستطيع القناة حلّ الأزمة الحالية؟ يجيب قانصو:”لا. فحتى وفق أكثر الجداول الزمنية تفاؤلاً، سيستغرق بناؤها ما بين خمس إلى عشر سنوات. أما الأضرار الإقتصادية التي تُلحق الآن — من خفضٍ في الإنتاج يتجاوز 10 ملايين برميل يومياً، وإعلانات القوة القاهرة من قطر والكويت، وإرتفاع أسعار البنزين إلى أكثر من 5 دولارات للغالون في كاليفورنيا — فسيجري إحتواؤها أو التكيّف معها قبل وقت طويل من أن تتمكن أي قناة من استقبال أول ناقلة نفط”، جازما بأن “ما يمكن أن تفعله قناة سلمان هو ضمان ألا يتكرر هذا السيناريو مرة أخرى. فقد كشفت أزمة هرمز عام 2026، بوضوح قاسٍ، عن هشاشة بنيوية ظلّ المجتمع الدولي يدركها لعقود من دون أن يعالجها. فالبنية التحتية الحالية للإلتفاف على المضيق — مثل خط الأنابيب شرق–غرب في المملكة العربية السعودية وخط أنابيب الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة — لا تغطي سوى نحو ثلث الكميات التي تعبر هرمز في الظروف العادية، مع عجز يومي يبلغ نحو 12 مليون برميل. وهذا ليس تكراراً إحتياطياً حقيقياً، بل مجرد أملٍ متنكر في هيئة إستراتيجية”.
أيهما الخيار الأصح؟
يبقى السؤال الأصعب: هل قناة عملاقة واحدة هي الحلّ الصحيح؟ أم أن حزمة من الإستثمارات الأصغر والأسرع يمكن أن توفر مستوى مماثلاً من المرونة بكلفة ومخاطر أقل؟
يجيب قانصو:”من وجهة نظري إن توسيع طاقة خط الأنابيب شرق–غرب من 5 إلى 7 ملايين برميل يومياً، يكلّف ما بين 5 و10 مليارات دولار ويمكن إنجازه خلال سنتين إلى ثلاث، وإنشاء إحتياطي نفطي إستراتيجي خليجي مشترك يكفي 90 يوماً يتطلب 15 إلى 25 مليار دولار، وتطوير بنية تحتية لتصدير الهيدروجين الأخضر من موانئ بحر العرب في عُمان يكلّف 10 إلى 20 مليار دولار. مما يعني أن حزمة بديلة شاملة ستكلّف ما بين 30 و55 مليار دولار — بما يتراوح بين 12 بالمئة و22 بالمئة فقط من كلفة القناة — يمكن تنفيذها خلال 3 إلى 5 سنوات بدلاً من عقد كامل، وذلك بمرونة أسرع، بمخاطر أقل، وبخُمس الثمن”.
ويسأل قانصو:”هل تبدأ هذه الدول بالمحفظة المتنوعة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة؟ ثم إعادة تقييم جدوى القناة في مرحلة لاحقة، حين تتّضح معالم ثلاثة متغيرات حاسمة: مسار أسعار النفط بعد الأزمة، والإستقرار السياسي في اليمن، وتطوّر تقنيات الحفر والأهوسة التي قد تخفّض الكلفة بشكل جوهري؟ لأن إنفاق 250 مليار دولار اليوم على مشروع يمر بأراضٍ غير مستقرة، وفي عالم يتجه نحو ذروة الطلب النفطي، قبل إستنفاد البدائل الأرخص — ليس جرأة إستراتيجية، بل مقامرة مالية”، مُنبها إلى أنه “في عالم يعلن إلتزامه بالوصول إلى صافي إنبعاثات صفري، فإن إستثماراً بقيمة ربع تريليون دولار قائم على إستمرار صادرات الوقود الأحفوري لعقود طويلة يحمل مخاطر كبيرة لما يُعرف بالأصول العالقة. فإذا كانت فترة إسترداد الإستثمار تتراوح بين 36 و71 عاماً عند الكلفة المرتفعة — أي بين عامَي 2062 و2097 —، فإنها تتقاطع حتماً مع توقعات وكالة الطاقة الدولية بأن الطلب العالمي على النفط سيبلغ ذروته بين 2030 و2040. وهذا يعني أن القناة قد تصل إلى طاقتها التشغيلية الكاملة في اللحظة ذاتها التي يبدأ فيها الطلب على ما تنقله بالتراجع — وهي معادلة مالية لا يمكن لأي مستثمر عقلاني تجاهلها”.
ويختم:”إن الدرس المستفاد من آذار 2026 ليس أن “قناة سلمان” كان ينبغي أن تُبنى بالضرورة، بل أن شيئاً ما كان يجب أن يُبنى. لقد وضع العالم 20 بالمئة من إمداداته النفطية خلف بابٍ واحد، وافترض أن أحداً لن يُقدم يوماً على إغلاقه. لكن إيران أدارت المفتاح. وأياً يكن شكل الحل — قناة، أو خطوط أنابيب، أو إحتياطيات، أو كل ما سبق — فإن كلفة عدم الفعل باتت تُقاس بتريليونات الدولارات. فهل تخطو دول مجلس التعاون الخليجي إلى إنشاء هيئة مشتركة لأمن الطاقة البديل، بتمويل أولي لا يقل عن 30 مليار دولار، مهمتها الوحيدة: عدم تكرار تداعيات آذار 2026؟ “.


