من هنا وهناك

خلف خطوط العدو… كيف تنقذ ” بطاقة الدم” حياة الطيارين

تُصنّف “بطاقة الدم” (Blood Chit) كواحدة من أبرز الوسائل التي اعتمدها العسكريون، لا سيما الطيارون، للنجاة في حال سقوطهم داخل أراضٍ معادية أو مجهولة، حيث تحمل رسالة موجّهة للسكان المحليين تطلب المساعدة مقابل مكافأة.

وفي النسخة المعتمدة لدى الجيش الأميركي، تتضمن هذه البطاقة رسالة مترجمة إلى عدة لغات، يطلب فيها الطيار تأمين مأوى آمن وطعام، إضافة إلى مساعدته في الوصول إلى مكان آمن، مقابل تعويض مالي أو مكافأة لمن يقدّم العون.

ولا تُعد هذه الفكرة حديثة، إذ تعود جذورها إلى قرون سابقة، حيث استخدم التجار والدبلوماسيون والمبشرون في الصين وثائق مكتوبة باللغة المحلية تشرح هويتهم وتطلب حمايتهم خلال تنقلهم، ما وفر لهم نوعًا من الحصانة.

كما يُنسب أحد أوائل الاستخدامات المشابهة إلى الفرنسي جان بيير بلانشار، الذي حمل خلال رحلاته بالمناطيد في القرن الثامن عشر رسالة متعددة اللغات يطلب فيها من السكان مساعدته وعدم إيذائه، موضحًا أنه عالم يقوم بتجارب علمية.

ومع اندلاع الحروب الحديثة، برز استخدام “بطاقة الدم” بشكل أوضح، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى، حيث حمل طيارو الفيلق الجوي الملكي البريطاني وثائق بأربع لغات، يطلبون فيها المساعدة مقابل مكافأة لمن يعيدهم إلى مواقعهم.

أما خلال الحرب الصينية اليابانية الثانية، فقد استخدم الطيارون الأميركيون ضمن “النمور الطائرة” بطاقات مكتوبة بالصينية، يوضحون فيها أنهم طيارون أميركيون سقطت طائراتهم ويطلبون الطعام والمساعدة للوصول إلى القوات الحليفة.

وتوسع استخدام هذه البطاقات خلال الحرب العالمية الثانية، حيث حمل الطيارون الأميركيون نسخًا مكتوبة بنحو 50 لغة، إلى جانب عملات ذهبية ضمن حقائب النجاة، كما قام بعضهم بخياطتها داخل ملابسهم لضمان عدم فقدانها.

وخلال الحرب الكورية، تطورت البطاقة لتُكتب على أقمشة متينة بثلاث لغات، مع تأكيد رسمي بأنها صادرة عن الجيش الأميركي، في محاولة لزيادة مصداقيتها لدى السكان المحليين.

وفي سياق الحرب الباردة، استُخدمت بطاقات مماثلة خلال مهام التجسس في أوروبا الشرقية، حيث كُتبت بلغات محلية، وطلبت من السكان حماية الطيارين وإبعادهم عن القوات السوفيتية مقابل مكافآت.

وهكذا، تحوّلت “بطاقة الدم” من رسالة بدائية بسيطة إلى أداة استراتيجية في حروب القرن العشرين، تختصر في كلمات قليلة معادلة البقاء: الثقة مقابل النجاة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى