“إسرائيل تفتح خرائط التقسيم”… جنبلاط: لا تراهنوا على مواجهة داخلية مع حزب الله

في قراءة سياسية حادة لمسار المنطقة، اعتبر الرئيس وليد جنبلاط أن الحروب التي تشنها إسرائيل في غزة ولبنان وإيران لا تنفصل عن مشروع أوسع لتفكيك النظام الإقليمي الذي نشأ بعد اتفاقيات سايكس – بيكو، محذرًا في المقابل اللبنانيين من خطورة الذهاب إلى مواجهة داخلية تحت عنوان نزع سلاح حزب الله بالقوة.
وفي مقابلة مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، قال جنبلاط إن إسرائيل تطبق في جنوب لبنان أساليب تذكّر بما جرى في غزة، من خلال تدمير القرى بشكل منهجي وتهجير سكانها، مشيرًا إلى أن نحو مليون لبناني نزحوا من منازلهم، فيما يُمنع كثيرون من العودة بفعل الإجراءات الإسرائيلية.
وأضاف أن نحو 60 قرية سُوّيت بالأرض، وأن إسرائيل رسمت ما يعرف بـ”الخط الأصفر” داخل جنوب لبنان، في منطقة عازلة أحادية الجانب يمتد تأثيرها، وفق قراءته، من جبل الشيخ إلى الأراضي السورية قرب دمشق، وقد يتوسع مستقبلًا ليشمل أجزاء من حوران ودرعا.
وأشار جنبلاط إلى أن القوات الإسرائيلية وصلت بالفعل إلى نهر الليطاني، رغم صعوبة السيطرة على طبيعة المنطقة الجغرافية، معتبرًا أن الحرب تبدو بلا نهاية، وأن ما يجري يتجاوز حدود المواجهة التقليدية إلى محاولة إعادة رسم وقائع أمنية وسياسية جديدة.
وعن مسؤولية حزب الله في هذا الصراع، رأى جنبلاط أنه كان بالإمكان الوصول إلى ترسيم شبه كامل للحدود بين لبنان وإسرائيل خلال السنوات الماضية، إلا أن المسار تبدل بعد حرب الإسناد التي خاضها حزب الله عقب أحداث 7 تشرين الأول 2023، ثم بعد الحرب الثانية التي أعقبت اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.
وشدد على أنه لا يمكن تحميل حزب الله وحده مسؤولية هذه الحروب، قائلًا إن الأهداف الإسرائيلية الحقيقية لا تزال غير واضحة، ومعتبرًا أن إسرائيل “تخوض الحرب من أجل الحرب” في غزة ولبنان وإيران، فيما تواصل الاستيطان في الضفة الغربية إلى حد جعل قيام دولة فلسطينية يبدو، وفق تعبيره، “مجرد وهم”.
وحذر جنبلاط من أن إسرائيل تسعى إلى تفكيك الصيغة التقليدية للشرق الأوسط التي نشأت بعد سايكس – بيكو، واستبدالها بكيانات طائفية وقبلية متعددة، على غرار ما حدث في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003.
وعن هامش المناورة المتاح أمام الدولة اللبنانية، قال جنبلاط إن الدولة لا تملك عمليًا أي هامش، إلا إذا أجبرت الولايات المتحدة إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان واحترام وقف إطلاق النار، وهو احتمال وصفه بأنه أقرب إلى الخيال.
وفي ملف سلاح حزب الله، رفض جنبلاط مقاربة الحزب كجسم غريب عن لبنان، كما كانت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982، قائلًا إن حزب الله لبناني، وعناصره لبنانيون، ولن يغادروا البلاد على متن السفن. لكنه اعتبر في المقابل أن المشكلة الأساسية تكمن في ارتباط الحزب العقائدي بمبدأ “ولاية الفقيه” الإيراني.
وأكد أن الشيعة جزء أصيل من المجتمع اللبناني، وأن استعادة سيادة الدولة هدف مشروع، إلا أن الانقسامات الداخلية كثيرًا ما قادت لبنان إلى الحروب. ورفض صراحة فكرة نزع سلاح الحزب بالقوة، متسائلًا: “من سيقاتل حزب الله؟ حتى الجيش اللبناني لن يفعل ذلك، لأنه جيش مختلط يضم جنودًا شيعة. هل يمكن تخيل جنود شيعة يقاتلون حزب الله بأوامر إسرائيلية أو أميركية؟ هذا مستحيل”.
وفي الشأن السوري، تحدث جنبلاط عن لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع بعد وصوله إلى السلطة في 8 كانون الأول 2024، موضحًا أنه لم ينظر إلى ماضيه بقدر ما ركّز على أهمية استقرار سوريا بالنسبة إلى لبنان.
ورأى أن الشرع يعمل على ترسيخ سلطته تدريجيًا في بلد مزقته الحرب الأهلية والمجازر الطائفية لأكثر من عقد، مشيرًا إلى أنه بات يحظى باعتراف دولي واسع، بما في ذلك من الولايات المتحدة التي رفعت العقوبات عن سوريا، ومعتبرًا أن استقباله من الملك تشارلز الثالث في بريطانيا كان مؤشرًا مهمًا على هذا التحول.
وعن خشيته من تغلّب التوجه الديني المحافظ في سوريا الجديدة، قال جنبلاط إنه يشعر ببعض القلق، لأن السلطة السورية الجديدة تضم تيارات متعددة، وحتى المؤسسة العسكرية ليست متجانسة بالكامل، لكنه شدد على ضرورة عدم تجاهل إرث أكثر من نصف قرن من حكم آل الأسد، وما رافقه من مجازر في حماة وحلب، ثم الحرب الأهلية في عهد بشار الأسد التي ربما حصدت مليون ضحية بين قتيل ومفقود.
وأضاف أن الانتقال من دولة قمعية وتسلطية إلى دولة أكثر تعددية ليس أمرًا سهلًا، بل يحتاج إلى وقت ومسار سياسي طويل.
وعن أحداث السويداء عام 2025، قال جنبلاط إنه طالب المحكمة الجنائية الدولية بإرسال لجنة تحقيق بعد أحداث تموز 2025 التي قُتل فيها نحو 1500 درزي، موضحًا أن التحقيق وثّق الانتهاكات بحق الدروز، كما وثّق أيضًا انتهاكات ارتكبها دروز بحق البدو.
وأشار إلى أن دروز سوريا قدموا من لبنان قبل نحو 300 عام، وأنه لا يمكن للدروز أن يطردوا البدو من أرض يتشاركونها معهم، لافتًا إلى أن الرئيس أحمد الشرع فتح تحقيقًا بدوره، ومعتبرًا أن المطلوب اليوم هو محاكمة عادلة لجميع المسؤولين عن هذه الجرائم، وكذلك عن المجازر التي طالت العلويين في آذار 2025.
وفي ردّه على الدروز الذين يطلبون الحماية الإسرائيلية، أجاب جنبلاط بحزم: “لا أقول لهم شيئًا. لقد اختاروا طريقهم، طريق الانفصال، بينما اخترت أنا طريق دمشق والعروبة”. وأضاف أن هؤلاء يعتبرونه خائنًا، لكنه يرى أن تفكيك سوريا جزء من المشروع الصهيوني الهادف إلى تفتيت المنطقة بأكملها.
وتطرق جنبلاط إلى اغتيال والده كمال جنبلاط عام 1977، كاشفًا أن المسؤول الأساسي عن الجريمة، إبراهيم حويجة، اعتُقل بناءً على طلبه في آذار 2025، بعدما أبلغ السلطات السورية الجديدة بمكان اختبائه، فتم توقيفه في مدينة جبلة.
وقال إنه أعلن، خلال ذكرى اغتيال والده في 16 آذار 2025، أن تلك ستكون آخر مراسم إحياء للذكرى، مضيفًا: “لقد تحققت العدالة”.
وعن شعوره لحظة سقوط نظام الأسد، قال جنبلاط إنه اتصل فورًا بالرئيس سعد الحريري وقال له: “الله أكبر”، قبل أن ينفجر بالبكاء. أما بشأن إقامة بشار الأسد في موسكو بعيدًا عن العدالة، فاعتبر أن الأمر غير عادل، لكنه أشار إلى أن روسيا كانت حليفًا للنظام السوري حتى اللحظة الأخيرة، لافتًا إلى أنه ابتسم عندما شاهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل أحمد الشرع في الكرملين، معتبرًا ذلك “انتقامًا تاريخيًا” للأخير.
وفي حديثه عن الإرث السياسي وانتقال القيادة إلى نجله تيمور جنبلاط، قال إن والده حاول تحديث لبنان والطائفة الدرزية من خلال توزيع الأراضي وتقديم المنح التعليمية وفرض إنشاء الجامعة اللبنانية. أما هو، فلم يكن يطمح إلى العمل السياسي، لكن اغتيال والده والحرب الأهلية دفعاه إلى تولي المسؤولية.
وأضاف أنه كان بإمكانه اختيار المنفى، لكنه فضّل البقاء للدفاع عن الدروز والجبل، حتى إنه اضطر إلى زيارة دمشق وطلب السلاح من حافظ الأسد رغم مسؤوليته عن اغتيال والده.
وعن تيمور جنبلاط، قال: “هذا قدره. عليه أن يخدم مصالح العائلة ويحمي الطائفة الدرزية ويحاول إيجاد طريق جديد للشباب اللبناني”.
وتأتي مقابلة جنبلاط في لحظة لبنانية وإقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحرب في الجنوب مع ملف سلاح حزب الله، ومع التحولات السورية بعد سقوط نظام الأسد وصعود سلطة جديدة في دمشق. ومن موقعه السياسي والتاريخي، يحاول جنبلاط رسم معادلة صعبة بين رفض المشروع الإسرائيلي لتفتيت المنطقة، والتحذير من الانزلاق إلى حرب داخلية في لبنان، والدعوة إلى مقاربة واقعية تعترف بحساسية التركيبة اللبنانية وبالحاجة إلى دولة قادرة، من دون دفع البلاد نحو مواجهة أهلية جديدة.


