أمن وقضاء

توقيف عسكري «ركَّب ملفاً» لبريء… بالتواطؤ مع المُرتكِب!

علمت «الأخبار» أن أزمة اندلعت داخل قسم المباحث الجنائية المركزية التابع للشرطة القضائية، على خلفية توقيف أحد أبرز العسكريين العاملين فيه برتبة مؤهل، للاشتباه بتلاعبه في مجريات التحقيق في إحدى القضايا بالتواطؤ مع الجهة المُدَّعية، ما أدى إلى توقيف أحد الأشخاص ظلماً لأكثر من عام ونصف عام.

وتعود القضية إلى نحو عامين، حين استُدعيَ أحد الأشخاص للتحقيق معه في دعوى تتعلق بسرقة نحو 100 كيلوغرام من الذهب، كان قد تقدّم بها رجل الأعمال الراحل جميل إبراهيم وشريك له من آل ب. وبعد استجواب المُستدعى، أُوقف بإشارة من النيابة العامة التمييزية، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن الملف كان «مفبركاً» نتيجة تنسيق بين المؤهل والمُدَّعي (شريك إبراهيم)، بهدف الاستيلاء على هاتف الموقوف ومحو البيانات التي من شأنها إثبات براءته وإدانة المُدَّعي.

ولم يكتشف الموقوف السابق ما جرى إلا بعد إخلاء سبيله قبل أشهر، إذ تبيّن له أن جميع البيانات المخزنة على هاتفه، الذي كان مودعاً ضمن المحفوظات العائدة للنيابة العامة التمييزية طوال فترة توقيفه، قد مُسحت بالكامل، ما أثار شكوكه ودفعه إلى تقديم شكوى بحق العسكري المعني.

وأُحيلت الشكوى بداية إلى مفرزة تحرّي بيروت، قبل أن تنتقل إلى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، الأمر الذي أثار بلبلة بين الجهات المعنية، لينتهي الأمر إلى مراجعة النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج قبل استكمال التحقيقات في مختلف جوانب القضية.

وبعد اطلاعه على الملف، طلب الحاج متابعة الشكوى، مؤكداً أنه لن يوفر الحماية لأحد، ولا سيما أن قسم المباحث الجنائية المركزية يرتبط مباشرة وحصراً بالنيابة العامة التمييزية. وهو الموقف نفسه الذي أبلغه المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء رائد عبدالله، للمحققين، مؤكداً ضرورة استكمال التحقيقات.

كذلك، جرى التنسيق مع مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم الذي أصر على عدم طيّ القضية وطلب إطلاعه شخصياً على مجريات الملف، علماً أن مصادر قضائية أشارت إلى ضغوط مورست للحؤول دون اتخاذ أي إجراء بحق العسكري المتهم. ولتفادي الضغوط المحيطة بالملف، أمر غانم باستدعاء العسكري بصفة شاهد، مع إحاطة التحقيقات بدرجة عالية من السرية، بعدما تبيّن فعلاً أن بيانات هاتف المدّعى عليه قد مُسحت خلال فترة توقيفه.

والأخطر أن تحليل الهاتف الذي أجراه فرع المعلومات أظهر أن الجهاز «تحرك» خلال فترة توقيف صاحبه، وانتقل من قصر العدل في بيروت إلى منزل العسكري المعني في البقاع، حيث جرى نقل البيانات إلى هاتف آخر في أحد محال بيع الهواتف، قبل إعادة الجهاز بعد أيام إلى مضبوطات الشرطة القضائية في قصر العدل.

وبعد استدعاء العسكري، جرى توقيفه بإشارة من القاضي غانم. وأظهر تحليل هاتفه وجود تواصل فعلي بينه وبين شريك إبراهيم عبر تطبيق «واتساب»، وتبيّن أنهما نسّقا معاً عملية توقيف المدعى عليه بهدف الاستيلاء على البيانات المخزنة على هاتفه. وعلى إثر ذلك، جرى توقيف شريك إبراهيم أيضاً، ليتبيّن لاحقاً أن البيانات التي جرى حذفها تتضمن معطيات يُشتبه بأنها تدين المُدَّعي وتدعم رواية الموقوف السابق وتُعزز قرائن براءته.

وتطرح هذه القضية علامات استفهام كبيرة حول حجم الصلاحيات الممنوحة لبعض العسكريين، وإمكان إساءة استخدامها للتلاعب بمجريات التحقيقات، وحرمان أفراد من حريتهم لفترات طويلة، وصولاً إلى قلب الوقائع وتوجيه مسار العدالة بما يخدم مصالح أطراف نافذة. كما تعيد فتح النقاش حول الضمانات الرقابية المفترض أن تحكم التعامل مع المضبوطات والأدلة الرقمية.

المصدر: وكالة اخبار اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى