أخبار محلية

عودة الخليج تبدأ من أبو ظبي فهل يستعيد لبنان ثقة العرب؟

لم يكن إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة السماح لرعاياها بالسفر إلى لبنان اعتباراً من 29 حزيران، تعديلا في تعليمات السفر أو إجراء قنصليا روتينيا. ففي منطقة لا تزال تتقلب على وقع الأزمات الأمنية والسياسية، لا تُراجَع مثل هذه القرارات إلا بعد تقييم دقيق للمخاطر والاتجاهات السياسية. لذا تبدو الخطوة الإماراتية أكثر من قرار يتعلق بالموسم السياحي، إنها مؤشر لتبدل في النظرة الخليجية إلى لبنان، ورسالة تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية

القرار جاء بعد أشهر من الحذر الذي فرضته التطورات العسكرية في المنطقة، وسنوات من الفتور الذي طبع العلاقات اللبنانية – الخليجية. وهو، وإن أبقى على إجراءات احترازية كالتسجيل المسبق للمسافرين، يعكس اقتناعاً بأن مستوى المخاطر لم يعد يبرر استمرار منع السفر، وأن لبنان بدأ يستعيد، ولو تدريجاً، صورة الدولة القادرة على توفير حد أدنى من الاستقرار.

لكن أهمية القرار تتجاوز مسألة عودة السياح الإماراتيين. فهو يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل بدأ الخليج يعيد اكتشاف لبنان، أو أنه يعطيه فرصة أخيرة ليثبت أن مرحلة جديدة قد بدأت؟

رسالة تتجاوز السياحة

يصعب فصل القرار الإماراتي عن المناخ السياسي الذي تشهده المنطقة. فالأشهر الأخيرة حملت مجموعة من المتغيرات، من محاولات  التهدئة الإقليمية إلى تنشيط الاتصالات العربية مع بيروت، مروراً بمحاولات إعادة تثبيت مؤسسات الدولة اللبنانية وإطلاق مسار جديد في علاقاتها مع محيطها العربي.

وفي هذا السياق، تبدو أبوظبي كأنها ترسل إشارة مدروسة مفادها أن لبنان عاد إلى دائرة الاهتمام العربي، ولكن هذه المرة من بوابة الدولة ومؤسساتها، لا من بوابة التجاذبات التي حكمت العلاقة خلال السنوات الأخيرة.

لا يُعرف عن الإمارات أنها تتخذ قرارات من هذا النوع بدافع المجاملة السياسية أو الرغبة في تسجيل موقف إعلامي. فعندما يتعلق الأمر بأمن مواطنيها، تعتمد أبو ظبي معايير صارمة وتقييمات متواصلة، ما يجعل السماح بالسفر مؤشراً لقراءة مختلفة للواقع اللبناني، وإن بقيت مقرونة بإجراءات وقائية تعكس استمرار الحذر.

الثقة… بشروط

مع ذلك، سيكون من المبالغة اعتبار القرار إعلاناً لانتهاء مرحلة القلق. فالإمارات لم تقل إن لبنان أصبح خالياً من المخاطر، بل قالت عملياً إن المخاطر باتت في حدود يمكن التعامل معها.

وهذا فارق أساسي. فالقرار يفتح الباب أمام العودة، لكنه لا يضمن حجمها، ولا يعني تلقائياً أن الفنادق ستُملأ أو أن الطائرات ستعود مكتظة كما كانت قبل سنوات. فالسائح الخليجي يراقب الاستقرار السياسي والأمني لحظة بلحظة، ويتخذ قراره على أساس الوقائع لا الأمنيات.

لذا فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في صدور القرار، بل في قدرة لبنان على الحفاظ على المناخ الذي شجّع على اتخاذه.

ماذا عن بقية دول الخليج؟

السؤال الذي يُطرح اليوم في الأوساط الاقتصادية والسياحية لا يتعلق بالإمارات وحدها، بل بما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام قرارات مماثلة من بقية دول مجلس التعاون الخليجي.

فإذا حافظ لبنان على استقراره، يُرجح أن تنظر عواصم خليجية أخرى بإيجابية إلى إعادة تقييم قيود السفر. وفي حال تحقق ذلك، فإن الأمر لن ينعكس على الموسم السياحي فحسب، بل سيحمل رسالة أوسع إلى المستثمرين ورجال الأعمال بأن لبنان عاد تدريجاً إلى الخريطة الاقتصادية العربية.

وتاريخياً، كانت قرارات السفر الخليجية تتجاوز تأثيرها المباشر على أعداد الزوار، لأنها تُقرأ أيضاً كمؤشر لمستوى الثقة بالدولة اللبنانية. وكلما ارتفعت هذه الثقة، ازدادت فرص عودة الاستثمارات والشراكات والمشاريع التي يحتاج إليها الاقتصاد اللبناني للخروج من أزمته.

الخطأ سيكون في التعامل مع القرار الإماراتي على أنه إنجاز بذاته. فهو ليس مكافأة نهائية للبنان، بل فرصة ينبغي البناء عليها.

رسالة أبو ظبي واضحة: الاستقرار يفتح الأبواب، فيما تعيد الاضطرابات إغلاقها سريعاً. من هنا، تقع المسؤولية على عاتق الدولة اللبنانية في تثبيت الأمن، وتعزيز حضور المؤسسات، واستكمال مسار الانفتاح العربي، بما يحوّل قراراً ظرفياً إلى مسار دائم.

فالعلاقة مع الخليج لم تكن يوماً علاقة سياحة فقط. إنها علاقة ثقة سياسية، وشراكة اقتصادية، وامتداد اجتماعي وإنساني، وهي عناصر تضررت جميعها خلال السنوات الأخيرة، وتحتاج اليوم إلى إعادة ترميم هادئة ومستدامة.

قد لا تعني عودة الإماراتيين إلى لبنان أن الأزمة انتهت، لكنها تعني أن نافذة جديدة فُتحت. وفي منطقة اعتادت أن تبدأ التحولات فيها بإشارات صغيرة، قد يكون هذا القرار أول علامة على أن لبنان بدأ يستعيد موقعه في الحسابات العربية، لا بوصفه ساحة أزمات، بل لكونه بلداً يستحق مجددا فرصة للاستقرار والنهوض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى