دعم عون في خيار التفاوض


كتب جان فغالي في” نداء الوطن”: لا يُقاس نجاح أصحاب القرار بقدرتهم على إطلاق الشعارات، بل بقدرتهم على استشراف الأخطار قبل وقوعها. من هذه الزاوية، يمكن القول إن الرئيس جوزاف عون أحسن التقدير عندما لم يتردّد في الموافقة على اتفاق الإطار والانطلاق في مسار التفاوض، لأن ما يلوح في أفق المنطقة ليس تسوية، بل احتمال انفجار كبير قد تعجز الدول عن احتواء تداعياته. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة غير مسبوقة من الاحتقان العسكري والسياسي، وتشير المؤشرات إلى أن المنطقة مقبلة على جولة جديدة من الحرب. وفي ظل هذه الوقائع، لا يستطيع لبنان أن يتصرّف وكأن الوقت يعمل لمصلحته.
التأخير في اتخاذ القرار قد يكون أكثر كلفة من القرار نفسه، ولذلك اختار عون المبادرة بدل انتظار أن تفرض التطورات وقائعها. من يهاجم خيار التفاوض يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن لبنان لم يعد يحتمل حربًا جديدة. فالبنية الاقتصادية تكاد تكون منهارة، والمجتمع يرزح تحت أعباء الفقر والهجرة وفقدان الثقة بالمستقبل.
لهذا السبب، فإن دعم رئيس الجمهورية في خياره التفاوضي ليس اصطفافًا سياسيًّا، بل انحياز إلى فكرة الدولة نفسها. فالتفاوض ليس مرادفًا للتنازل، وإنما وسيلة تعتمدها الدول لحماية شعوبها وتحصين مصالحها عندما يصبح البديل حربًا مدمّرة. فالمطلوب توفير مظلة سياسية لرئيس الجمهورية كي يتفاوض من موقع الدولة، لا من موقع الانقسام الداخلي.
وكتب جوني منير في” الجمهورية” :لا شك في أن أي مواجهة طويلة الأمد ستزيد من الضغوط على الساحة اللبنانية، ولو أن ذلك لن يؤدي إلى اندلاع حرب شاملة تلقائياً. فعودة الحرب تعتمد على حسابات أوسع لواشنطن وتل أبيب وطهران، وما إذا كانت تخدم أهدافهم. ومن الثابت أن نتنياهو يسعى بقوة إلى عودة الحرب المفتوحة إن في إيران أو في لبنان، لذلك كان مفهوماً أن يوزع الإعلام الإسرائيلي تقديرات بانعدام فرص التوصل إلى اتفاق أميركي – إيراني، وكذلك استباق إسرائيل للجولة السادسة من المفاوضات مع لبنان والمحدّدة في روما، بتصعيد واضح في جنوب لبنان.
وهذا التصعيد يؤشر إلى مسألتين: الأولى أن إسرائيل متمسكة بمبدأ «حرية الحركة» وهي لن تتخلّى عنه، والثانية أنّها ذاهبة إلى المفاوضات تلبية للضغوط الأميركية، خصوصاً أنّ إدارة ترامب تريد انسحاباً إسرائيلياً من منطقة تحتلها كلياً، لتكون المنطقة التجريبية وفق المواصفات التي حدّدها الجيش اللبناني. ووفق هذا التصنيف باشر الجيش اللبناني اجتماعاته مع الوفد العسكري الأميركي. هنالك ثغرة واضحة على مستوى القرار اللبناني، وحيث أنّ الجيش متروك بلا مظلة سياسية واضحة، فالجيش يأتمر بمجلس الوزراء الذي لم يناقش «الصيغة الإطار»، وبالتالي لم يصدر أي قرارات واضحة للجيش للقيام بالمهمات المطلوبة، ما يعني أنّ حصول أي أخطاء سيجعل الجيش مكشوفاً، وسيؤدي إلى دفعه إلى المستنقع وهو مكشوف الرأس



