مساعٍ لتجنّب حرب شاملة جديدة: أميركا «تجمّد» الدور الإسرائيلي


كتبت صحيفة “الأخبار”: تنشغل الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب، هذه الأيام، بمسألة إمكانية انخراط الكيان في الحملة العسكرية الأميركية الأحدث ضدّ إيران، والتي تدْخل يومها العاشر على التوالي، وإن بوتيرة بطيئة وسقف منخفض، مقارنة بالحرب الواسعة السابقة. ورغم ما يبدو «حماساً» إسرائيلياً للدخول على خطّ المعركة، فإن الإشكالية الحقيقية اليوم لا تتعلّق برغبة جيش الاحتلال في المشاركة أو قدرته على ذلك، بل بمدى استعداد الولايات المتحدة لما تستبطنه هذه المشاركة من احتمال تحوّل المناورة المحدودة إلى حرب إقليمية شاملة لا تخدم الأهداف التكتيكية لإدارة دونالد ترامب.
إلى الآن، يبدو أن التدخل الإسرائيلي في الحسابات الأميركية يمثّل مصدر قلق أكثر من كونه ورقة ضغط إضافية يمكن استثمارها ضدّ إيران. وهذا تحديداً ما يدفع البيت الأبيض إلى إبقاء إسرائيل خارج تلك المناورة، التي لا تريد الولايات المتحدة تحويلها إلى حرب إقليمية مفتوحة على كلّ الاحتمالات. فما يتطلّع إليه ترامب، الذي يجد نفسه اليوم أسيراً لمعضلة شبيهة بتلك التي واجهت سلفه الراحل ليندون جونسون إبّان حرب فيتنام، والتي اختصرها الأخير بقوله: «أشعر وكأنني عالق على حافة طريق سريع في عاصفة بَرَد في تكساس: لا أستطيع الفرار من العاصفة، ولا الاختباء منها، ولا جعلها تتوقّف»، هو دفع النظام الإيراني إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وإحياء مذكرة التفاهم وفق التفسيرات الأميركية لبنودها، بعيداً عن الأهداف العالية السقوف والشعارات الرنّانة التي طبعت بدايات الحرب.
ومن هنا، تحرص الولايات المتحدة على الاحتفاظ بالغطاء السياسي الذي يبرّر عملياتها العسكرية؛ إذ هي تجتهد في تقديم ضرباتها بوصفها رداً مباشراً على ما تصفه بـ«التهديد الإيراني لحرية الملاحة» في مضيق هرمز، لا باعتبارها جزءاً من حملة مشتركة مع إسرائيل. وهذا الفصل المتعمّد بين أهداف الطرفَين وتطلّعاتهما، إنما يمنح الإدارة الأميركية هامشَ مناورة أوسع عندما تحين فرصة تسوية ما في «هرمز»، يبدو أنها تمثّل الهدف الرئيس من التصعيد الحالي.
في المقابل، ينطلق الموقف الإيراني من قاعدة منع مسبّبات التدخل الإسرائيلي، لكن من موقع القوة والردع لا من موقع الخشية أو التراجع. فصنّاع القرار في طهران يدركون جيداً أنهم في موقع المُدافع عن مكاسب استراتيجية كبرى حقّقوها في أعقاب الحرب، وفي مقدّمها فرض السيطرة الفعلية على «هرمز». وبناءً عليه، تسعى إيران إلى تجنّب انخراط إسرائيل في المعركة الحالية، ليس لأن الأخيرة تشكّل فاعلاً «خارقاً» مثلما يتمّ الترويج لها، بل لأن دخولها يفرض على طهران توزيع جهودها على جبهات دفاعية إضافية، وهو ما لا يخدم الاستراتيجية الإيرانية القائمة حالياً على ترسيخ الأمر الواقع البحري في المضيق، والردّ على الضربات الأميركية بقدرها ومستواها، من دون الانجرار إلى مواجهة إقليمية شاملة.
وبالعودة إلى الموقف الإسرائيلي، وبمعزل عن مسألة المشاركة في المعركة من عدمها، يبدو أن المصلحة الحقيقية لتل أبيب تكمن في استمرار تبادل الضربات بين واشنطن وطهران، وإدامة حال التصعيد على نحو يفضي إلى إنهاء المسار الدبلوماسي بين الطرفَين. إذ من شأن انهيار هذا المسار أن يقلّص الضغط الأميركي على إسرائيل لدفعها إلى الانسحاب من لبنان، الذي يمثّل اليوم الساحة الأكثر أهمية وإلحاحاً لدى القيادة الإسرائيلية، بعد الوصول إلى حال من «اليأس» إزاء الساحة الإيرانية. ومع ابتعاد «شبح» المفاوضات الأميركية – الإيرانية، التي تخشى تل أبيب أن تنتهي إلى تنازلات «كبرى» من جانب واشنطن لطهران -بما في ذلك ربطاً بلبنان-، ستتاح للاحتلال هوامش مناورة أوسع للتملّص من التزاماته في الجبهة الشمالية، وتثبيت وجوده العسكري، بمعزل عن «اتفاق الإطار» مع السلطة اللبنانية وكلّ «المسكّنات» الدبلوماسية التي تسبقه أو تعقبه.
على أيّ حال، يبدو أن تل أبيب تكتفي في الوقت الراهن بمراقبة التطورات، مع الأمل في أن تطول مدة المراوحة والاشتباك، فيما تَظهر فاقدة للقدرة على المبادرة الاستراتيجية المستقلّة بعيداً عن المظلّة الأميركية. أمّا طهران، فإنها تستعدّ لمختلف السيناريوات، بما فيها الأكثر تعقيداً، الذي يتجاوز مجرّد تبادل الضربات الجوية إلى التمهيد لعملية برية محدودة؛ وهو سيناريو بدأ يُتداول في الأوساط الإيرانية، ووجد طريقه سريعاً إلى وسائل الإعلام الأميركية والغربية عموماً.
في هذا الإطار، يقدّر خبراء إيرانيون أن التركيز الأميركي على استهداف البنى التحتية، من جسور وخطوط سكك حديدية ومطارات في جنوب إيران، يهدف بالدرجة الأولى إلى شلّ قدرة طهران على تحريك قواتها وإمداداتها نحو «هرمز»، وتمهيد الطريق لاحتلال أجزاء من الساحل الجنوبي الإيراني والسيطرة المباشرة على المضيق. ورغم أن هذا السيناريو يبدو وراداً، إلا أن مصاديقه ومقدماته على أرض الواقع، فضلاً عن حجم التبعات الكارثية التي قد يرتدّ بها على الجانب الأميركي، وكذلك عدم جدواه العملية في فتح المضيق، كلّها عوامل تسحب منه صفة «المعقولية» الميدانية، أقلّه حتى الآن.



