بلا رقابة وبلا تخطيط وبشروط قاسية: المصارف تعود إلى الإقراض


في نهاية 2025 سجّلت المصارف محفظة قروض «فريش» بقيمة 794 مليون دولار، أي ما يساوي 17% من رساميل المصارف المسجّلة حالياً على دفاترها. لكن الأمر يثير التساؤلات عن مصدر هذه الأموال في ضوء تعميم مصرف لبنان 154 الذي ألزمها بتغطية 100% من الودائع الجديدة «الفريش» لدى المصارف المراسلة. فمن أين لديها السيولة للإقراض؟ كيف تترجم هذه القروض في الاقتصاد؟ هل هذا يعني أن المصارف صارت على قيد الحياة بعدما كانت مفلسة؟
في السنتين الأخيرتين بدأت المصارف تقدّم قروضاً بالدولار الفريش للزبائن. في عام 2024 بلغت هذه المحفظة 418 مليون دولار، ثم تضاعفت إلى 794 مليون دولار في نهاية 2025. الموافقة على القروض تتطلب اختياراً مدروساً بعناية للزبائن وشروطاً قاسية. فالمصارف تشترط ردّ الدفعات بالدولار السوقي أو الدولار الفعلي «الفريش»، ولا توافق على أي قرض إلا بضمانات موازية، وتفرض معدلات فائدة تتراوح بين 9% و14%، كما تكون مدّة القرض قصيرة، أو أقصر ما يمكن. وبعض المصارف أطلقت منتجات إقراض ذات طابع تجاري، فيما قدّم الآخرون قروض تجزئة لشراء سيارات أو بطاقات ائتمان شخصية وما شابه.
الواقع أن السوق فيها «شهية كبيرة للاقتراض» يقول أحد المصرفيين. وهو يعتقد أن السوق قادرة على استيعاب «بضعة مليارات من القروض في وقت قصير جداً»، لكن المشكلة أنه «لا يوجد تمويل لدى المصارف قادر على تغطية هذا الطلب الكبير، ولا يمكن تطبيق شروط مناسبة في ظل مصارف زومبي». فرغم مرور سبع سنوات، لم يصدر قانون يعالج الإفلاس الشامل الذي أصاب مصرف لبنان والمصارف، أي إن السلطتين التنفيذية والتشريعية فشلتا في التعامل مع الأزمة وتداعياتها. ورغم الفصل الشكلي في السلطات في لبنان، إلا أن الفشل نفسه، إن لم نقل الإهمال والتواطؤ، أرخى نفسه مباشرة على السلطة القضائية.
فلم يتمكّن القضاء من التعامل مع الحالات التي نتجت من الإفلاس، سواء تعلق الأمر بأصحاب المصارف أو بالتجار والأفراد. بالعكس، ما حصل هو أن القضاء أصيب بشلل وسط أحكام لا طائل منها سوى «تمييع» المشكلة وتأجيل البتّ فيها. وهذا المسار اندرجت فيه الهيئة المصرفية العليا التي اختارت بضع قضايا محدّدة، وأهملت كل الإفلاسات الباقية. أما أصحاب المصارف، فكانوا ذوي مصلحة في إطالة عمر هذا الواقع، ولم يتجرأوا على رفع دعاوى ضدّ مصرف لبنان مع أنهم يتهمونه بأنه مصدر إفلاسهم، ثم مارسوا الضغوط على كل السلطات بوصفهم شركاءهم منذ التكوين بعد الحرب الأهلية.
ما يمنع استعادة الاستقرار في السوق مصدره السلطة نفسها التي امتنعت، حتى الآن، عن فرض الترخيص لمصارف جديدة، خدمة للمصارف المفلسة. وهذا أمر في إمكان مصرف لبنان وحده القيام به بوصفه الهيئة الناظمة للقطاع والمستشار الاقتصادي للحكومة، بحسب قانون النقد والتسليف. والمادة 70 من قانون النقد والتسليف تفرض عليه الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. فإذا كان على دراية بأن السوق عطشى جداً للاقتراض لغايات تجارية واستثمارية، فلماذا لا يرخّص لمصارف قادرة على تأمين التمويل؟ فهو الجهة المختصّة تقنياً بهذا الأمر، ولديه الصلاحيات لفعل ذلك. وإدراكه لهذا الأمر واضح في التقرير السنوي للأوضاع الاقتصادية العامة في نهاية 2025، فيه يقول إن حجم القروض الفريش «يبقى متواضعاً مقارنة مع حجم الاقتصاد، إذ إنها تبلغ 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يعني أن المصارف تلعب دوراً محدوداً في تمويل النشاط الاقتصادي».
والواقع، أن مصرف لبنان لديه من الإمكانات الرقابية والتنظيمية ما يتيح له معرفة كل «قشة» في كل مصرف. مصرف لبنان يراقب بشكل يومي تطبيق المصارف للتعميم 154 الذي يفرض على المصارف تغطية الودائع الجديدة (لديه تعريف خاص لها لا يختلف عما شهرها في السوق تحت اسم الودائع الفريش أو الأموال الفريش) بنسبة 100% لدى مصارف المراسلة. أي إن كل دولار يودع في المصرف المحلي يجب أن يقابله دولار يودع لدى مصرفه المراسل في الخارج. ويجب أن تكون المصارف في حسابات حرّة في الخارج ما يوازي 3% من مجموع الودائع لديها (فريش وغير فريش) كما في 30/6/2025.
الفوائد على القروض
التي تمنحها المصارف للزبائن بالفريش تصل إلى 14%
طبعاً لا يراقب مصرف لبنان كل ما جاء في التعميم لجهة استعادة الأموال المحوّلة إلى الخارج أو ما يتعلق بإعادة تفعيل المصارف لنشاطاتها وخدماتها من خلال خطّة… لأنه يركّز على الشعار المرفوع اليوم: «أموال المودعين». لكنه يعرف تماماً ما هي السيولة المتاحة لدى المصارف للإقراض، وهي لا تزيد على مليار دولار. هذا المبلغ يمثّل النسبة التي تزيد على نسبة الـ 3% المفروضة كاحتياط على المصارف. فمن أين أتت هذه السيولة لدى مصارف مفلسة؟
لا يمكن التعامل مع المصارف كلّها بالدرجة نفسها، لكن الانطباع أن الإفلاس أصابها كلّها بدرجات متفاوتة. بعضها لديه التزامات أكبر بكثير مما لديه موجودات، وبعضها الآخر لديه التزامات بدرجة أقلّ. لكن يجب ألا نغفل أن بعض المصارف حصلت على قروض من مصرف لبنان بما يسمّى «فريش» في الأسابيع الأولى للأزمة.
بلغت قيمة هذه القروض 7.6 مليارات دولار، وقد أعطيت للمصارف بحجّة أن لديها التزامات خارج لبنان يجب تغطيتها في تلك الفترة وإلا أفلست بشكل رسمي من قبل جهات وأطراف خارجية. يقال إن بعض المصارف كان لديها التزامات خارجية أقلّ بكثير مما حصلت عليه، ما منحها أموالاً حرّة في ذلك الوقت استعملتها لاحقاً في توظيفات خارجية عندما ارتفعت أسعار الفوائد فحققت عوائد كبيرة لها على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، وبالتالي بات لديها سيولة قادرة على توظيفها في السوق المحلية بحذر كبير وبفوائد أكبر.
أيضاً، عمدت بعض المصارف إلى تصفية عقارات أو سندات يوروبوندز كانت في محفظتها من أجل الحصول على السيولة المطلوبة للتوظيف وتحقيق العوائد. فالمصارف تسعى اليوم إلى «تجميل» صورتها التي ظهرت على شكل شريك أساسي للسلطة الفاسدة، وذلك من خلال عودتها إلى السوق وممارسة العمل المصرفي «وكأن شيئاً لم يكن».
ومن خلال التوظيفات في الخارج وتصفية الأصول، تمكنت المصارف من إقراض مبلغ 794 مليون دولار في 2025. لكن كل هذه التوظيفات لا توفّر لها الأرباح الكبيرة في ظل الأكلاف التشغيلية المتزايدة، لا سيما كلفة الكهرباء والصيانة وسواها، لذا فهي صارت تعتمد أكثر على العمولات لتحقيق الأرباح. وبحسب المصادر حققت المصارف أرباحاً صافية في السنة الماضية بقيمة 190 مليون دولار أكثر من ثلثيها مصدره العمولات، فيما يعود الثلث الأخير إلى حركة القروض والتوظيفات الخارجية.
باختصار، المصارف تحاول العودة إلى النشاط الطبيعي في استقبال الودائع الفريش ومنح القروض الفريش وكأن شيئاً لم يكن، مستغلّة تواطؤ وشراكة السلطات معها، بما فيها الهيئة الناظمة للقطاع المالي، أي مصرف لبنان الذي تقع على عاتقه مسؤولية الاستقرار الاقتصادي. ها هي تحقق الأرباح، وتمنح قروض السيارات، وربما ستمنح قروض التجميل أيضاً، أي إنها ستفرّط بالدولارات الموجودة في السوق المحلية على الاستهلاك المستورد من دون أي رادع فعال. اللافت أن مصرف لبنان يتفرّج.
41.7 في المئة
هي نسبة القروض الفريش إلى ودائع الفريش. بحسب مصرف لبنان بلغت قيمة هذه القروض 794 مليون دولار، فيما بلغت قيمة ودائع الفريش 1.9 مليار دولار في نهاية 2025
190 مليون دولار
هي أرباح المصارف المحققة في عام 2025 وهي أرباح لا تأخذ في الحسبان أي خسائر مرتبطة بالودائع
4.5 مليارات دولار
هي قيمة مجمل السيولة المتاحة لدى المصارف ويقدّر أن نحو مليار دولار منها هي سيولة حرّة قابلة للإقراض
المصدر: الاخبار



