من هنا وهناك

​أطفال الجنوب… طفولة مثقلة بالخوف ودعم نفسي لاستعادة الأمان

​تُعدّ الحروب من أكثر الظواهر قسوةً وتأثيرًا في حياة الشعوب؛ إذ لا تقتصر آثارها على الدمار المادي والخسائر البشرية، بل تمتد لتترك جروحًا عميقة في نفوس الأفراد. ففي السنوات الأخيرة، شهد العالم صراعات وخلافات متواصلة، حتى أصبحت مشاهد الدمار والخراب وأصوات القذائف والغارات وسيارات الإسعاف جزءًا من النشرات الإخبارية اليومية، بينما تراجعت الأخبار التي تبعث على الأمل وتزرع التفاؤل بالمستقبل.

​ولا يقتصر أثر هذه المشاهد على من يتابعها عبر وسائل الإعلام، بل يكون أشد وطأة على من يعيشها واقعًا يومًا بعد يوم. ويُعدّ الأطفال الفئة الأكثر هشاشة وتأثراً بالحروب، إذ يعيشون مراحل تكوين شخصياتهم وسط الخوف والقلق، ويواجهون التهجير وفقدان الأحبة وغياب الشعور بالأمان. كما لا يسلم الكبار من تداعياتها النفسية، التي قد تظهر على شكل قلق واكتئاب واضطرابات نوم وصدمات ترافقهم لسنوات وتؤثر في حياتهم اليومية.

​قالت المعالجة النفسية حنان نصر في حديث لموقع “لبنان الكبير” إنّ “الحرب لم تنتهِ نفسياً بالنسبة إلى اللبنانيين”، معتبرةً أنّ “الحديث عن التعافي أو العلاج الشامل لا يزال سابقاً لأوانه، لأن أسباب الصدمة ما زالت قائمة، والناس لا تزال تعيش حالة من القلق والترقب”.

​وأوضحت نصر أنّ “إجراء إحصاءات دقيقة حول حجم الاضطرابات النفسية في لبنان يبقى أمراً صعباً في ظل استمرار تداعيات الحرب”، مضيفةً: “عادةً يبدأ العلاج الحقيقي بعد انتهاء الأزمة، كما حصل بعد جائحة كورونا، أما اليوم فما زلنا نعيش داخل الأزمة، لذلك لا يمكن الحديث عن مرحلة تعافٍ كاملة”.

​وأشارت إلى أنّ “الجهود الحالية تتركز على تقديم جلسات الدعم النفسي والتفريغ الانفعالي لمختلف الفئات، من الأطفال والمراهقين إلى النساء والرجال والمسنين، إضافة إلى الأشخاص ذوي الإعاقات وصعوبات التعلم، بهدف مساعدتهم على التعامل مع الضغوط النفسية المتراكمة”.

​ولفتت إلى أنّ “أكثر الاضطرابات التي ظهرت خلال هذه المرحلة هي الصدمات النفسية، والقلق العام، والاكتئاب”، موضحةً أن “الفئات الأكثر تأثراً هي تلك التي كانت تعاني أساساً من مشكلات نفسية قبل الحرب، إذ أدت الظروف الأخيرة إلى تفاقم أوضاعها”.

​وأضافت: “إذا أردنا اختصار المشهد النفسي اليوم، فيمكن القول إن أبرز الحالات هي الصدمة، والقلق، والاكتئاب، أما الحداد فهو ملف واسع بحد ذاته، لأن الخسائر التي تعرض لها اللبنانيون، سواء بفقدان الأحبة أو المنازل، خلقت مستويات مختلفة من المعاناة النفسية”.

​ورأت نصر أنّ “السمة الأبرز التي يعيشها اللبنانيون اليوم هي القلق العام، إذ إن كل لبنان يعيش حالة قلق من الوضع الأمني، ومن المستقبل، ومن المجهول. وحتى عندما تخفّ الغارات، لا تنخفض نسبة الصدمات النفسية، لأن أصعب ما يعيشه الإنسان هو الانتظار والترقب”.

​وأكدت أنّ “مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت عاملاً إضافياً في زيادة القلق، بسبب انتشار الأخبار غير الدقيقة والشائعات”، موضحةً أن “كثيرين باتوا يتخذون قراراتهم بناءً على معلومات غير مؤكدة، ما يضاعف مشاعر الخوف وعدم الأمان”.

​وفي ما يتعلق بالعلاج، شددت نصر على أنّ “العلاج الجماعي يُعدّ الأكثر فاعلية في ظروف الحرب، لأن المشاركين يعيشون تجارب متشابهة؛ فعندما تكون المشكلة مشتركة بين الجميع، يصبح التفريغ الجماعي أكثر نجاحاً، لأن كل شخص يشجع الآخر على الكلام والتعبير عن مشاعره”. لكنها أشارت في المقابل إلى أن “بعض الحالات تحتاج إلى علاج فردي، ولا سيما الأشخاص الذين لديهم تراكمات أو اضطرابات نفسية سابقة”.

​ووفقاً لها، فإنّ “تداعيات الحرب لم تقتصر على الصحة النفسية، بل طالت أيضاً التحصيل الدراسي للأطفال، فضلاً عن تأثيرها في المرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة، مثل السكري وأمراض القلب وغيرها”.

​وفي رسالة إلى الأهالي، أكدت نصر أنّ “حماية الأطفال تبدأ من الوالدين أنفسهما؛ فإذا كان الأهل يعيشون حالة قلق وخوف، فسوف ينقلونها إلى أولادهم، حتى من دون كلام، لأن الطفل يقرأ تعابير الوجه ونبرة الصوت قبل أي شيء آخر”.

​ودعت إلى تخصيص وقت للحوار مع الأطفال وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم وما عاشوه خلال الحرب، مؤكدةً أن البكاء أو الحديث عن الخوف أمر طبيعي، ويساعد على التخفيف من الأعباء النفسية.

​كما شددت على ضرورة العودة التدريجية إلى الروتين اليومي والأنشطة المعتادة، مثل المدرسة والرياضة والأنشطة الاجتماعية، معتبرةً أن “ذلك يعيد للأطفال شعورهم بالأمان، ولا يجوز أن يمنع الخوف الأهل من إعادة أولادهم إلى حياتهم الطبيعية، لأن استمرار هذا الخوف سيزيد من قلق الأطفال ويؤثر في نموهم النفسي”.

​وختمت نصر بالتأكيد أنّ “سكان المناطق التي تعرضت للقصف المباشر هم الأكثر عرضة للإصابة بالصدمات النفسية، إلا أن ذلك لا ينفي أن اللبنانيين جميعاً تأثروا بالحرب، وإن بدرجات متفاوتة؛ فمن عاش القصف بشكل مباشر ليس كمن تابعه عبر الأخبار، لكن الجميع يعيش اليوم آثار الحرب النفسية بصورة أو بأخرى”.

​ولا تقتصر متابعة تداعيات الحرب النفسية على العيادات والاختصاصيين، بل تمتد إلى الجمعيات الأهلية في الجنوب، التي كثفت برامج الدعم النفسي والاجتماعي، ولا سيما للأطفال والنساء، في ظل استمرار تداعيات الحرب. ومن بين هذه الجمعيات، تواصل جمعية الإمام الصدر تنفيذ برامج الحماية والاستجابة للحالات الأكثر هشاشة.

​وأكدت مسؤولة في جمعية الإمام الصدر أنّ “الحروب لا تخلّف آثاراً نفسية واقتصادية فحسب، بل تؤدي أيضاً إلى ارتفاع معدلات العنف داخل الأسر، نتيجة الضغوط المتراكمة التي يعيشها الأفراد خلال الأزمات”.

​وأوضحت أنّ “فقدان الوظائف أو توقف مصادر الدخل يدفع كثيرين إلى البقاء في المنازل لفترات طويلة، ما يرفع مستويات التوتر ويزيد احتمالات نشوب الخلافات وممارسة العنف بحق الزوجات أو الأطفال”، مضيفةً أن “النساء يواجهن ضغوطاً مضاعفة، سواء في مراكز الإيواء أو داخل المنازل التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، حيث يفرض الاكتظاظ، وضيق المساحات، واستمرار حالة عدم اليقين أعباءً نفسية قد تتحول إلى سلوكيات عنيفة”.

​وأشارت إلى أن “الجمعية تستجيب لهذه الحالات من خلال برنامج الحماية، الذي يوفر جلسات توعية، ودعماً نفسياً واجتماعياً للأطفال والنساء، ويشمل أحياناً الرجال أيضاً، إلى جانب جلسات متخصصة للحالات الأكثر هشاشة، تُنفذ وفق معايير تراعي مستوى الخطر واحتياجات كل مستفيد”.

​وأضافت أنّ “إدارة الحالات تشكل إحدى الركائز الأساسية لعمل الجمعية، إذ تُخصص جلسات فردية للنساء اللواتي يتعرضن للعنف، يجري خلالها تقييم مستوى الخطر، ووضع خطة أمان شخصية، ومتابعة تنفيذها بما يضمن وصول المرأة إلى بيئة أكثر أماناً”.

​أما الأطفال، فتتطلب متابعتهم إجراءات أكثر دقة، نظراً إلى ضرورة إشراك الأهل والحصول على موافقتهم، بما يضمن حماية الطفل وتحقيق مصلحته الفضلى.

​وأكدت أنّ “الجمعية لا تكتفي بالدعم الأولي، بل تحيل الحالات التي تحتاج إلى متابعة علاجية متخصصة إلى اختصاصيين في علم النفس أو إلى أطباء نفسيين، بحسب طبيعة كل حالة”.

​وفي الجنوب، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، تبقى معركة التعافي النفسي مفتوحة. فالأطفال، بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة التي بات الخوف والقلق جزءاً من طفولتهم، لا يحتاجون فقط إلى إعادة إعمار المنازل والمدارس، بل أيضاً إلى إعادة بناء شعورهم بالأمان. وبينما تواصل الجمعيات والاختصاصيون تقديم الدعم، يبقى إنهاء العنف الشرط الأول لمنح جيل كامل فرصة حقيقية للتعافي.

المصدر: لبنان الكبير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى