من هنا وهناك

متحف ومحترف عساف: حين ينطق الصخر بالفن

متحف ومحترف عساف: حين ينطق الصخر بالفن

بقلم: الكاتبة إكرام زين الدين

 

في قلب جبل لبنان، وتحديدًا في قرية الورهانية بمنطقة الشوف، يقف صرح فني فريد من نوعه، هو محترف عسّاف الذي تحوّل بفضل إبداع أصحابه إلى متحف مفتوح يجمع بين روعة الطبيعة وعبقرية الإنسان.

هذا المكان ليس مجرد ورشة عمل، بل هو حكاية ثلاثة أشقاء ،عسّاف منصور وعارف عسّاف، تميزوا بموهبة استثنائية جعلت من أناملهم أداة سحرية تحفر في الصخر لتحوّله إلى تماثيل تكاد تنبض بالحياة.

كرّسوا حياتهم لفن النحت على الصخر، حتى أصبح اسم “عسّاف” مرادفًا للإبداع الذي يهب الحجر روحًا وحياة، حوّلوا منزل العائلة القديم، بسقفه الترابي المعقود على الطراز التقليدي، إلى متحف يستقبل الزوار من كل حدب وصوب، يضم صالة العرض الرئيسية، التي تبدو وكأنها محفورة داخل مغارة أرضية بسقفها الحجري وإضاءتها المدروسة، عشرات التماثيل التي يحرص الأشقاء على حماية بعضها بواجهات زجاجية صيانة لها من اللمس ، وما إن يخرج الزائر من هذه الصالة حتى يجد نفسه في محترف مفتوح وسط الحديقة، تحيط به المناظر الطبيعية الخلابة لجبال الشوف من كل جانب.

يتفرد فن الأشقاء عساف بواقعيته وطابعه الكلاسيكي المتقن، إذ نحتوا عشرات المنحوتات لنخبة من أعلام الفن والأدب والفكر في لبنان والعالم العربية وكل قطعة هي شهادة حية تختصر سيرة صاحبها وأثره.
لم يكتفِ الإخوة عساف بترك المكان طبيعياً، بل عزّزوا المنحى البيئي والعلمي بزراعة أشجار وأعشاب مفيدة، وخلال الجولة تجد بطاقات تعريفية معلّقة على الأشجار تعرّف الزوار بأنواعها.

في مكان ما يقف الزائر عند فتحة مصممة بدقة حسابية ، ومن خلالها تتجمع ست قطع منحوتة تمثّل الحواس الخمس و الحدس لتُظهر وجه ميخائيل نعيمة كاملاً وهذا فعلاً ما يجعلها المنحوتة الأغرب في المحترف، إذ إنها لا تُقرأ ككل إلا من زاوية واحدة محسوبة بدقة، وهذا قمة الإبداع .

يُمثل محترف ومتحف عسّاف نموذجًا مضيئًا على قدرة الفن على تجاوز حدود الزمن والمكان، إذ حوّل الأشقاء الثلاثة قطعة من الصخر الجامد إلى شاهد ناطق على تاريخ الإبداع الإنساني، انه مشروع متكامل يجمع الفن بالعمارة المستدامة والزراعة والحفاظ على البيئة كجزء من فلسفة العائلة الموروثة.

ومع استمرار توسع هذا الصرح، يبقى محترف عسّاف معلمًا ثقافيًا وسياحيًا واعدًا في قلب جبل لبنان، يستحق الزيارة ، والتأمّل في روعةِ ما يمكن أن تصنعه الموهبة والإصرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى