جواز لبناني مزوّر يكشف السرّ… فلسطينية تقود الأمن إلى “مطلوب كبير” في تركيا


ليبانون ديبايت”
لم تكن محاولة فلسطينية الوصول إلى زوجها في تركيا مجرد عملية تزوير جواز سفر لبناني وانتحال هوية صديقتها، إذ سرعان ما اتخذ الملف بُعداً أكثر خطورة، بعدما كشفت التحقيقات، بحسب معلومات قضائية، أن الزوج الموجود في تركيا يُعد من كبار المتورطين في تجارة المخدرات والممنوعات، وأن بحقه مذكرات توقيف غيابية وبلاغات بحث وتحرٍّ، فيما كانت الأجهزة الأمنية تبحث عنه من دون أن يكون مكان وجوده معروفاً، إلى أن ساهمت عملية استصدار زوجته جواز سفر لبنانياً مزوراً واستخدامه للسفر إليه في كشف وجوده في تركيا.
وفي التفاصيل، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على كل من الفلسطينية أمل أ.، مواليد 1999، موقوفة، واللبنانية عبير ز.، مواليد 1997، موقوفة، وكل من يظهره التحقيق، على خلفية تزوير بيان قيد وجواز سفر لبناني واستعمال المزور مع العلم بالأمر، وذلك سنداً إلى المواد القانونية الواردة في الادعاء، بعد تحقيقات أجراها الأمن العام وكشفت الطريقة التي استخدمت فيها هوية لبنانية حقيقية لاستصدار مستندات رسمية تحمل بيانات صاحبتها، إنما بصورة امرأة فلسطينية.
وبحسب محضر التحقيق، بدأت القضية بعدما تبيّن أن أمل أ.، وهي فلسطينية لاجئة في لبنان وتعمل مزينة نسائية في منزلها، تمكنت من الحصول على جواز سفر لبناني يحمل صورتها الشمسية، إنما بالوقوعات الشخصية للبنانية عبير ز.، التي تربطها بها علاقة صداقة وجيرة تعود إلى أكثر من 10 سنوات.
وأفادت أمل أ. خلال التحقيق بأن زوجها الفلسطيني أسامة الداوي يقيم في تركيا، وأنها كانت تريد السفر لزيارته، إلا أن السفر بموجب وثيقة السفر الفلسطينية كان يتطلب، وفق قولها، موافقة أمنية من السلطات التركية قد تستغرق أكثر من شهرين.
ومن هنا، وبحسب إفادتها، خطرت لها فكرة الحصول على جواز سفر لبناني، وقالت إنها طلبت من صديقتها عبير ز. إعارتها هويتها اللبنانية بعدما تأكدت من أنها لم يسبق لها الحصول على جواز سفر. ووفق التحقيق، وافقت عبير على إعطائها الهوية، لتبدأ بعدها سلسلة من الخطوات انتهت بإصدار جواز سفر لبناني باسم عبير ز. ولكن بصورة أمل أ.
وتوجهت أمل بداية إلى مختار في منطقة الغبيري وهي تحمل هوية عبير، وتمكنت من الحصول على بيان قيد إفرادي يتضمن الوقوعات الشخصية للبنانية عبير ز.، إنما بالصورة الشمسية العائدة لأمل. وقالت إنها دفعت 30 دولاراً بدل أتعاب المعاملة.
وبعد حصولها على بيان القيد، توجهت إلى مختار في منطقة المزرعة، حيث جرى تنظيم طلب جواز سفر باسم عبير ز. وبالوقوعات العائدة إليها، إنما بالصورة الشمسية لأمل أ.، قبل أن تتوجه بتاريخ 18 أيار 2026 إلى المديرية العامة للأمن العام لتقديم طلب الحصول على الجواز.
وأكدت أمل في إفادتها أنها دخلت بصورة طبيعية واتبعت الإجراءات المعتمدة من دون مساعدة من أي شخص داخل الأمن العام أو خارجه، وتمكنت بعد ذلك من تسلم جواز السفر اللبناني الذي يحمل صورة وجهها وبيانات عبير ز.
ولم يتوقف الأمر عند استصدار الجواز، إذ أقرت أمل باستخدامه فعلياً للسفر إلى تركيا، حيث يوجد زوجها، قبل أن تعود إلى لبنان، كما أشارت في إفادتها إلى سفرها إلى تركيا في مناسبة أخرى.
ونفت أمل أن تكون قد دفعت أي مبلغ مالي لعبير ز. مقابل إعطائها الهوية، كما نفت أن يكون أي شخص قد سهل لها الحصول على مستلزمات الجواز أو إنجاز المعاملة داخل الأمن العام أو خارجه، مؤكدة أنها قامت بالخطوات بنفسها.
أما عبير ز. فأقرت خلال التحقيق بأن دورها تمثل في إعارة هويتها اللبنانية لأمل أ. بعدما طلبت منها الأخيرة ذلك بهدف استكمال مستلزمات الحصول على جواز سفر.
وقالت عبير إنها علمت لاحقاً بأن أمل تمكنت من الحصول على بيان قيد إفرادي بالوقوعات الشخصية العائدة إليها، ولكن بصورة أمل الشمسية، قبل أن تحصل كذلك على طلب جواز سفر بالبيانات نفسها والصورة العائدة لأمل، وصولاً إلى إصدار الجواز.
ونفت عبير تقاضي أي منفعة مادية مقابل تسليم هويتها، مؤكدة أن ما قامت به كان بدافع الصداقة والجيرة التي تجمعهما منذ أكثر من 10 سنوات.
وبحسب إفادتها، فإن أمل كانت تريد السفر إلى تركيا لملاقاة زوجها بعدما تعذر عليها ذلك بسهولة بواسطة وثيقة السفر الفلسطينية، وقالت إن أمل أكدت لها أن حصولها على جواز سفر لبناني باسم عبير وصورة أمل لن يرتب عليها مسؤولية.
كما نفت عبير أن تكون قد رافقت أمل إلى أي من المختارين أو إلى الأمن العام عند تقديم طلب الجواز، كما نفت معرفتها بقيام أي شخص بتسهيل المعاملة لها، وأكدت أنها لم تبلغ أحداً بما كانت أمل تعتزم القيام به.
التحقيقات لم تتوقف عند الموقوفتين، بل شملت المختارين اللذين نُظمت من خلالهما المستندات التي استخدمت لاحقاً في إصدار الجواز.
وأفاد المختار الذي نظم طلب جواز السفر بأنه لم يكن يعرف أمل شخصياً، وأنها حضرت إليه وأبرزت هوية لبنانية وبيان قيد إفرادياً، وأنه استفسر منها عن أقارب صاحبة الهوية، ومن خلال أجوبتها اعتقد أنها صاحبة العلاقة، فنظم لها طلب جواز السفر استناداً إلى المستندات التي كانت بحوزتها.
وعندما عُرضت عليه أمل وتبيّن أن صاحبة الصورة الشمسية الواردة على الطلب ليست اللبنانية صاحبة الوقوعات، قال إنه لا يملك تبريراً سوى أنه قام بما يمليه عليه واجبه، ونظم الطلب استناداً إلى المستندات التي اعتبرها صحيحة، نافياً أن يكون قد تعمد الاشتراك في عملية التزوير.
أما المختار الذي نظم بيان القيد الإفرادي فأفاد بأن أمل حضرت إليه حاملة هوية عبير ز. وطلبت الحصول على بيان قيد إفرادي، وأن معرفته بعائلة صاحبة الهوية وبعدد من أقاربها الذين يترددون إليه بحكم عمله مختاراً في المنطقة جعلته يعتقد أن المرأة الموجودة أمامه هي بالفعل صاحبة الهوية.
وبعد عرض أمل عليه خلال التحقيق، أكد أنها الشخص نفسه الذي حضر إليه وطلب بيان القيد، وأن الصورة الشمسية الموضوعة على البيان تعود إليها، إلا أنه أكد أنه لم يكن يعرف أنها فلسطينية، وأنه، وفق قوله، وقع ضحية احتيال بعدما قدمت نفسها على أنها صاحبة الهوية اللبنانية.
وبتاريخ 6 آب 2026، وعند الساعة 10:15، جرت مخابرة المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي غسان باسيل ووضعه في مجريات التحقيق، فأشار بترك المختارين بسندي إقامة، وختم المحضر وإيداعه مع الموقوفتين أمل أ. وعبير ز. لدى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، إلى جانب المضبوطات، ومن بينها جواز السفر وبيان القيد موضوع التحقيق.
إلا أن المفاجأة، بحسب معلومات قضائية، لم تكن في كيفية اختراق سلسلة المعاملات الرسمية بواسطة هوية حقيقية وصورة امرأة أخرى فحسب، بل في الوجهة التي استُخدم الجواز المزور للوصول إليها.
فالمعلومات القضائية تشير إلى أن زوج أمل الموجود في تركيا يُعد من كبار المتورطين في تجارة المخدرات والممنوعات، وأنه مطلوب بموجب مذكرات توقيف غيابية وبلاغات بحث وتحرٍّ، فيما كانت الأجهزة الأمنية تبحث عنه من دون أن يكون مكان وجوده معروفاً بصورة مؤكدة.
وبذلك تحولت محاولة الزوجة الوصول إليه بجواز سفر لبناني استُصدر بوقوعات امرأة أخرى إلى خيط قاد إلى كشف البلد الذي يوجد فيه، بعدما أقرت بنفسها خلال التحقيق بأنها استخدمت الجواز للسفر إلى تركيا لملاقاة زوجها.
وهكذا، فإن عملية بدأت بإعارة هوية بين صديقتين، انتقلت إلى بيان قيد بصورة مغايرة لصاحبة الوقوعات، ثم إلى طلب جواز سفر، فجواز لبناني استُخدم فعلياً للسفر، قبل أن تنتهي بتوقيف امرأتين وادعاء قضائي، وتفتح في الوقت نفسه نافذة على مكان وجود رجل كانت الأجهزة الأمنية تبحث عنه بموجب مذكرات وبلاغات قضائية.



