أخبار محلية

قانون الإعلام الجديد في لبنان: إغلاق المواقع من الباب الخلفي؟ شروط تعجيزية وغرامات تهدد التعددية والسردية المستقلة

كتبت مارلين خليفة:

ليس في  قانون الإعلام اللبناني نص يقول: «أغلقوا المواقع الإلكترونية». وليس فيه، في المادة التي تنظم الإعلام الإلكتروني، قرار بفرض ترخيص مسبق على كل موقع. لكن قراءة القانون في مجموعه تطرح سؤالاً أكثر خطورة من الإغلاق المباشر: هل يجري إنشاء منظومة قانونية وتنظيمية قادرة، عبر الشروط المهنية والإدارية والغرامات والصلاحيات الرقابية، على تقليص عدد المواقع الإلكترونية ودفع عدد كبير منها إلى الخروج من السوق؟

السؤال ليس افتراضاً من فراغ. فالنص الذي أقره المجلس النيابي في 11 آب اغسطس الجاري بحسب ما ورد اليه من اللجان النيابية المشتركة يضع للمواقع الإعلامية المهنية شروطاً قاسية، ويحمّلها التزامات واسعة، ويعرضها لغرامات قد تصل إلى مليارات الليرات، فيما يمنح الهيئة الوطنية للإعلام دوراً تنظيمياً واسعاً. وفي المقابل، أزيلت من النص ضمانات كانت موجودة لمنع الاحتكار الإعلامي، وأعيد إدخال «الخبر الكاذب» إلى دائرة التجريم الجزائي، كما أزيل نص كان يضمن صراحة حق الإعلاميين في تأسيس النقابات والانضمام إليها بحرية.

وبذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بحرية إنشاء موقع، وإنما بالسؤال الأهم: من يستطيع الاستمرار في تشغيله بعد إنشاءه؟

تقليص المواقع… وضرب تعدد الأصوات من دون قرار إغلاق

أخطر ما في الاقتراح، من زاوية الإعلام الإلكتروني، أنه قد لا يحتاج إلى قرار إداري بإغلاق المواقع كي يؤدي عملياً إلى تقليص عددها.

فالطريقة الأكثر فاعلية لإخراج المؤسسات الصغيرة من السوق ليست بالضرورة منعها من العمل، وإنما رفع كلفة العمل عليها إلى مستوى لا تستطيع تحمله.

وهذا ما يثير القلق في الصيغة الحالية.

فالمادة 62 تنص على أن الإعلام الإلكتروني حر، وأن إنشاء المنصات والمواقع الإلكترونية الإعلامية لا يخضع لموافقة أو ترخيص مسبق. وهذه نقطة واضحة في النص.

 

لكن الحرية في الإنشاء لا تعني بالضرورة القدرة على الاستمرار.

 

فبمجرد انتقال الموقع من مرحلة «الإنشاء» إلى مرحلة العمل كوسيلة إعلامية إلكترونية مهنية، يدخل في منظومة واسعة من الشروط والالتزامات، تبدأ من هوية المالك والمدير المسؤول، ولا تنتهي بالغرامات والإجراءات التي يمكن أن تتخذها الهيئة الوطنية للإعلام.

وهنا تكمن المفارقة: قد يكون إنشاء الموقع حراً، لكن استمرار الموقع قد يصبح مكلفاً ومقيداً إلى حد كبير.

وهذا يفتح الباب أمام سيناريو عملي واضح: المواقع الكبيرة، المدعومة مالياً، والقادرة على توظيف مدير مسؤول متفرغ ومستشار قانوني وإداري، ستكون أكثر قدرة على الامتثال. أما المواقع الصغيرة والمستقلة، التي تعمل أحياناً بعدد محدود من الصحافيين وبموارد مالية محدودة، فقد تجد نفسها أمام كلفة تنظيمية وقانونية لا تستطيع تحملها.

وفي هذه الحالة لا يكون الإغلاق قراراً يصدر عن الهيئة، بل نتيجة اقتصادية وقانونية تلقائية.

أي أن الموقع لا يُقال له «أنت ممنوع من العمل»، بل يصبح استمرار العمل في ظل الشروط والغرامات أمراً بالغ الصعوبة.

وهنا تحديداً ينبغي النظر إلى القانون من زاوية التعددية الإعلامية: كل موقع مستقل يغلق أو يتوقف عن العمل يعني صوتاً أقل في السوق، ومصدراً أقل للمعلومات، ومساحة أقل أمام الروايات البديلة.

وإذا كانت البيئة السياسية والإعلامية اللبنانية تعاني أصلاً من تركّز كبير في الملكية والنفوذ، فإن تقليص عدد المؤسسات الصغيرة قد يؤدي عملياً إلى العكس تماماً مما يفترض أن يفعله قانون إعلام حديث: أي تقليص التعددية بدلاً من حمايتها.

ولا يقول النص إن الهدف هو «ضرب السردية المستقلة»، ولا توجد مادة تثبت هذه النية. لكن من المشروع صحافياً وسياسياً التساؤل عما إذا كانت بنية القانون، إذا طبقت بصرامة، يمكن أن تؤدي إلى نتيجة مماثلة: عدد أقل من المواقع، ومؤسسات أكبر، وأصوات مستقلة أقل.

المدير المسؤول: الباب الأضيق لدخول القانون إلى الموقع

تظهر المشكلة بوضوح في المادة 63.

فالموقع الإعلامي الإلكتروني المهني مطالب بإظهار اسم مالكه وشكله القانوني وعنوانه ورقم تسجيل الوسيلة الإعلامية في السجل الخاص لدى الهيئة، إضافة إلى اسم المدير المسؤول وعنوانه وعنوان الوسيلة وأرقام الاتصال والبريد الإلكتروني.

لكن شروط المدير المسؤول هي الجزء الأكثر إثارة للجدل.

فالمدير يجب أن يكون إعلامياً لبنانياً، متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية، غير محكوم بجناية أو جنحة شائنة، حائزاً على إجازة جامعية، ولديه خبرة لا تقل عن ثلاث سنوات في مجال اختصاص الوسيلة الإعلامية.

ولا يتوقف الأمر هنا.

يُمنع المدير المسؤول من إدارة أكثر من موقع إلكتروني واحد، ويجب أن يكون مقيماً إقامة فعلية في لبنان، ومتفرغاً للعمل لصالح وسيلة الإعلام الإلكترونية، وألا يكون متمتعاً بأي نوع من الحصانة وفقاً للقانون. وهذه الشروط تظهر حرفياً في النص المرفق.

السؤال هنا ليس: هل من الطبيعي أن تكون هناك مسؤولية قانونية عن الموقع؟

بالتأكيد يجب أن تكون هناك مسؤولية.

السؤال هو: هل هذه الشروط متناسبة مع طبيعة الإعلام الرقمي؟

الإجابة ليست واضحة.

ففي الإعلام الإلكتروني، قد يكون الصحافي هو المالك والمحرر والمدير في الوقت نفسه. وقد يكون الموقع مشروعاً صغيراً يديره صحافي أو مجموعة صحافيين، وليس مؤسسة ضخمة لها جهاز إداري.

كما أن اشتراط التفرغ الكامل، ومنع الشخص من إدارة أكثر من موقع، واشتراط الإقامة الفعلية في لبنان، يمكن أن يستبعد نماذج مهنية قائمة بالفعل في الإعلام الرقمي.

أما شرط أن يكون المدير «إعلامياً لبنانياً»، فيثير إشكالية أخرى تتعلق بالعاملين في القطاع الإعلامي المقيمين في لبنان من غير اللبنانيين، وقد أثيرت هذه النقطة حقوقياً أيضاً.

وبالتالي، فإن القانون لا يمنع الموقع من الولادة، لكنه يحدد بصورة ضيقة جداً من يستطيع أن يتحمل مسؤوليته القانونية.

من «الشروط المهنية» إلى احتمال الإغلاق الاقتصادي

هنا تصبح المادة 64 أكثر أهمية.

فمخالفة أحكام الفصل المتعلق بالمواقع الإلكترونية تعاقب بغرامة تراوح بين عشرين ضعفاً ومئة ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور.

وباحتساب الحد الأدنى الرسمي للأجور البالغ 28 مليون ليرة، فإننا نتحدث تقريباً عن غرامة تبدأ من 560 مليون ليرة ويمكن أن تصل إلى 2.8 مليار ليرة.

بالنسبة إلى مؤسسة إعلامية كبيرة، قد تكون هذه الغرامة ضربة قاسية.

أما بالنسبة إلى موقع صغير، فقد تعني عملياً نهاية المشروع.

وهنا تظهر مشكلة التناسب.

هل المخالفة الإدارية أو المهنية نفسها يجب أن تؤدي إلى غرامة قد تبلغ مئات الملايين أو مليارات الليرات، بصرف النظر عن حجم المؤسسة وقدرتها المالية؟

القانون لا يبدو أنه يضع في هذا الباب تدرجاً واضحاً يأخذ في الاعتبار حجم الموقع وإيراداته وعدد العاملين فيه.

وهذا يجعل العقوبة الواحدة ذات أثر مختلف جذرياً بين مؤسسة تملك ملايين الدولارات وموقع مستقل يعمل بموارد محدودة.

الأخطر أن العقوبات لا تتوقف عند هذا الفصل.

في باب الإعلانات، توجد أيضاً غرامات كبيرة على مخالفات معينة، فيما يفرض القانون تنظيماً واسعاً للعمل الإعلاني.

وبذلك يصبح الموقع الصغير محاصراً من أكثر من جهة: شروط المدير، التسجيل والشفافية، القواعد المهنية، قواعد الإعلانات، الشكاوى، صلاحيات الهيئة، ثم الغرامات.

وهنا يمكن أن يتحول القانون من أداة لتنظيم السوق إلى أداة لإعادة تشكيل السوق نفسه.

الهيئة الوطنية للإعلام: تنظيم أم سلطة رقابية جديدة؟

ينص القانون على إنشاء هيئة وطنية للإعلام تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، ويؤكد استقلال أعضائها والعاملين فيها.

لكن المشكلة ليست في إنشاء هيئة ناظمة بحد ذاته.

المشكلة هي حجم الصلاحيات الممنوحة لها، وكيفية تشكيلها، ومدى استقلالها الحقيقي عن موازين القوى السياسية.

فالمادة 90 تمنح الهيئة سلّم إجراءات يبدأ بالاستيضاح، ثم التنبيه، ثم الإنذار، ثم إعداد التقارير وإلزام المؤسسة المخالفة بنشرها ضمن مهلة تحددها الهيئة، وصولاً إلى إحالة المؤسسة الإعلامية المخالفة إلى الجهات القضائية المختصة. كما تتيح للهيئة، بالنسبة إلى مخالفات دفاتر الشروط، فرض غرامات مالية بعد توجيه الإنذار.

ثم تأتي المادة 91 لتفتح باب الشكاوى أمام الهيئة، بحيث يستطيع أي شخص التقدم بشكوى تتعلق بأحكام القانون، بينما تفرض المادة 92 غرامة على المؤسسة التي تخالف أحكام الباب أو دفاتر الشروط الصادرة عن الهيئة.

أي أن الهيئة لن تكون مجرد هيئة استشارية.

إنها ستكون جهة تنظيمية لها أدوات ضغط فعلية على المؤسسة الإعلامية.

وهنا يصبح استقلال الهيئة شرطاً جوهرياً.

فإذا كانت الهيئة مستقلة بالفعل، ولديها معايير واضحة، وتعمل بشفافية وتطبق القانون بالتساوي، يمكن أن يكون التنظيم مفيداً.

أما إذا دخلت الاعتبارات السياسية في تشكيلها أو قراراتها، فإن الصلاحيات نفسها تصبح مصدر خطر.

وقد سبق أن دار نقاش نيابي حول كيفية اختيار أعضاء الهيئة، بين من يريد إعطاء الحكومة دوراً أكبر ومن يرى ضرورة أن تكون الغالبية منتخبة من الجهات المهنية والأكاديمية لضمان الاستقلال.

الأخطر: سقوط ضمانات منع الاحتكار

في الوقت الذي يفرض فيه القانون شروطاً جديدة على المؤسسات الإعلامية، ألغت اللجان المشتركة ضمانة مهمة كانت تمنع تركّز الملكية الإعلامية.

فالصيغة السابقة كانت تضع سقفاً قدره 10 في المئة للملكية المباشرة أو غير المباشرة للمساهم الواحد في المؤسسة الإعلامية، مع اعتبار الزوج أو الزوجة والأصول والفروع بمثابة الشخص الواحد.

هذه الضمانة أُسقطت من الصيغة التي خرجت بها اللجان المشتركة.

وقد اعتبرت «المفكرة القانونية» أن إسقاط هذا السقف يزيل إحدى أهم الضمانات ضد الاحتكار الإعلامي.

وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة للقلق.

ففي الوقت الذي يمكن أن يصبح فيه الموقع الصغير مهدداً بالغرامات والشروط، تختفي في المقابل إحدى أهم الحواجز أمام تركّز الملكية الإعلامية.

أي أن النتيجة المحتملة قد تكون:

مواقع صغيرة أقل، ومؤسسات أكبر، وملكية أكثر تركّزاً.

وهذا تحديداً ما يجعل قضية المواقع الإلكترونية قضية سياسية وإعلامية، وليست مجرد قضية تقنية أو تنظيمية.

لماذا المواقع الصغيرة هي الحلقة الأضعف؟

لأن القانون يتعامل مع المؤسسات الإعلامية بدرجة كبيرة من التوحيد، بينما السوق الإعلامية اللبنانية ليست موحدة.

العرب وشعوب الشرق الأوسط

هناك مؤسسات كبيرة لديها عشرات أو مئات الموظفين.

وهناك مواقع صغيرة قد لا يتجاوز فريقها بضعة أشخاص.

هناك مؤسسات لديها قسم قانوني ومحاسب ومستشارون.

وهناك صحافي يدير موقعه من مكتبه أو منزله.

هناك مؤسسات لديها إيرادات إعلانية كبيرة.

وهناك مواقع مستقلة تعتمد على إعلانات متفرقة أو اشتراكات أو تمويل محدود.

وعندما تضع هذه المؤسسات كلها تحت منظومة واحدة من الشروط والغرامات، فإن العبء الحقيقي لا يقع عليها بالتساوي.

لذلك، فإن الغرامة التي قد تكون «عقوبة» بالنسبة إلى مؤسسة كبيرة قد تصبح «عقوبة إعدام اقتصادي» لموقع صغير.

وهنا تحديداً يمكن أن تحدث عملية تقليص عدد المواقع من دون أن يتخذ أحد قراراً بإغلاقها.

لغز النقابات: حرية إنشاء نقابات جديدة أم تفتيت الجسم الإعلامي؟

من أكثر البنود التي تستحق التوقف عندها في قانون الإعلام الجديد تلك المتعلقة بالتنظيم النقابي. فالصيغة الجديدة لا تغلق باب التنظيم النقابي أمام الإعلاميين، بل تفتح، بحسب القراءة التي تبنتها جهات إعلامية ونقابية، المجال أمام إنشاء نقابات جديدة.

وهنا تحديداً يبدأ الجدل.

فقد انتقدت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان حذف الجزء الوارد في الفقرة (هـ) من المادة 123، والذي كان يكفل بصورة صريحة حق الإعلاميين في تأسيس النقابات والانضمام إليها بحرية، معتبرة أن حذف هذه العبارة يمثل تراجعاً عن ضمانة أساسية لاستقلال المهنة وحماية العاملين في القطاع الإعلامي

لكن في المقابل، فإن القراءة النقابية والسياسية للصيغة التي وصلت إلى الهيئة العامة ذهبت في اتجاه آخر: القانون يتيح إنشاء نقابات جديدة، وهو ما أثار اعتراض نقابة محرري الصحافة اللبنانية، التي حذرت من أن فتح باب إنشاء نقابات جديدة قد يؤدي إلى «تفريخ» نقابات وإضعاف الجسم الصحافي والإعلامي بدلاً من توحيده. (

وهنا يكمن اللغز الحقيقي: هل نحن أمام تكريس للحرية النقابية، أم أمام تفتيت للتمثيل المهني للإعلاميين؟

من الناحية المبدئية، يبدو السماح بإنشاء نقابات جديدة توسعاً في الحرية النقابية، ولا يجوز تقديمه باعتباره تقييداً لها. لكن المشكلة التي تطرحها نقابة المحررين تتعلق بما سيحدث بعد فتح هذا الباب: كم نقابة يمكن أن تنشأ؟ وعلى أي أساس؟ وهل ستكون نقابات مهنية جامعة، أم يمكن أن تتحول إلى أطر فئوية أو مناطقية أو طائفية؟ ومن سيمثل الإعلاميين فعلياً أمام الهيئة الوطنية للإعلام؟

وقد حذر نقيب المحررين جوزف القصيفي تحديداً من أن بعض مواد القانون تفتح الباب أمام إنشاء نقابات ذات طابع فئوي وطائفي، بما قد يخلق «كونفدرالية» نقابية ويزيد الشرخ والشرذمة داخل الجسم الإعلامي، كما قد يؤثر في التمثيل العادل للإعلاميين داخل الهيئة الوطنية للإعلام. (

وهذا البعد مهم خصوصاً بالنسبة إلى الإعلام الرقمي. فمع توسع المواقع والمنصات الإلكترونية، ظهرت فئات مهنية جديدة تختلف في طبيعة عملها عن الصحافة التقليدية. ومن الطبيعي أن يطالب العاملون فيها بتمثيل نقابي يعكس واقعهم المهني. لكن السؤال هو ما إذا كان تعدد النقابات سيؤدي إلى توسيع التمثيل فعلاً، أم إلى إضعاف الصوت النقابي الموحد للإعلاميين.

وتزداد أهمية المسألة لأن النقابات ليست مجرد أطر مهنية خارج القانون؛ فالقانون الجديد يجعل لها حضوراً في منظومة الإعلام الجديدة، بما في ذلك آليات التمثيل والتشاور المرتبطة بالهيئة الوطنية للإعلام.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية هنا ليست بين «السماح» و«المنع». السماح بإنشاء نقابات جديدة قد يكون في ذاته تكريساً لحرية التنظيم النقابي، لكن السؤال هو كيف سيُدار هذا التعدد، ومن سيحصل على حق التمثيل، وكيف ستُمنع النقابات الجديدة من التحول إلى أدوات فئوية أو مناطقية أو طائفية.

وبعبارة أخرى، فإن القانون يفتح الباب أمام تعدد نقابي قد يكون مكسباً للإعلاميين إذا أدى إلى توسيع المشاركة، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا أدى إلى تفتيت الجسم الإعلامي وإضعاف قدرته على الدفاع الجماعي عن حرية الصحافة وحقوق الصحافيين.

وهنا يصبح السؤال الأكثر حساسية: من سيمثل الإعلاميين في النظام الإعلامي الجديد، ومن يملك مفاتيح هذا التمثيل؟

السجن: الإصلاح الذي كان يفترض أن ينهي عقوبة الصحافي… ثم عاد الباب الجزائي

كان من أبرز الوعود الإصلاحية في مشروع قانون الإعلام الجديد إنهاء عصر سجن الصحافيين بسبب عملهم المهني.

وفي الصيغة الإصلاحية التي دعمتها اليونسكو، كان الاتجاه واضحاً إلى إلغاء تجريم وحبس وتوقيف الإعلاميين احتياطياً في القضايا المتصلة بالنشر، وإلغاء محكمة المطبوعات وإنشاء محكمة مدنية متخصصة للقضايا الإعلامية. (

وكان هذا تحولاً مهماً، لأن سجن الصحافي أو توقيفه احتياطياً لا يشكل مجرد عقوبة على شخص، بل يخلق أثراً ردعياً على الصحافة كلها.

الصحافي الذي يعرف أن مقالاً أو تحقيقاً قد يؤدي إلى توقيفه سيبدأ بممارسة الرقابة الذاتية.

وهنا لا تعود المشكلة في الصحافي الذي سُجن فقط، وإنما في عشرات الصحافيين الذين سيتجنبون نشر المعلومات أصلاً خوفاً من المصير نفسه.

لكن الصيغة الأخيرة التي خرجت بها اللجان المشتركة لم تبقَ بالوضوح نفسه.

فبحسب «المفكرة القانونية»، أعادت اللجان المشتركة إدخال «الخبر الكاذب» إلى دائرة التجريم الجزائي، بعد أن كان الاتجاه الإصلاحي قد أخرج معظم جرائم النشر من المقاربة الجزائية وأحالها إلى المسؤولية المدنية. واعتبرت أن ذلك يفتح من جديد باب الملاحقة الجزائية، رغم نقل القدح والذم إلى القضاء المدني.

وهنا ينبغي التوقف.

قد يقول المدافعون عن القانون إن «السجن لم يعد هو العقوبة الأساسية على الصحافي».

لكن المسألة أوسع من ذلك.

إذا عاد الفعل الإعلامي نفسه إلى دائرة التجريم الجزائي، فإن خطر الملاحقة الجزائية يعود معه.

والأخطر أن مفهوم «الخبر الكاذب» ليس كالقدح والذم من حيث الحدود والمعايير.

فالقدح والذم يمكن أن يخضعا لمعايير قانونية معروفة، بينما يمكن أن يتحول مفهوم «الخبر الكاذب» إلى مساحة شديدة الاتساع إذا لم يكن تعريفه دقيقاً، خصوصاً في الملفات السياسية التي تتضارب فيها المعلومات والتقديرات والمصادر.

وقد حذرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان من استمرار الازدواجية بين المسؤولية المدنية والجزائية في قضايا النشر، ودعت إلى توحيد النظام القانوني للمساءلة عن أفعال النشر واستبعاد العقوبات السالبة للحرية في قضايا القدح والذم والتحقير. (

بمعنى آخر: حتى إذا لم يعد «السجن» مكتوباً كعقوبة مباشرة في كل مخالفة إعلامية، فإن إعادة فتح الباب الجزائي في حد ذاتها تضعف المكسب الذي كان يفترض أن يحققه الإصلاح.

«الخبر الكاذب»… المصطلح الذي قد يصبح سيفاً فوق الصحافة

المادة المتعلقة بالتحريض على الكراهية والتمييز أضيف إليها مفهوم «اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة».

وهذا الجمع يثير مشكلة تشريعية.

فالتحريض على الكراهية أو العنف فعل محدد يمكن أن تكون له نتائج ملموسة، بينما «الخبر الكاذب» قد يكون أحياناً مسألة خلاف على الوقائع أو المصادر أو تفسير المعلومات.

وقد اعتبرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن إدخال «الأخبار الكاذبة» ضمن هذه المقاربة قد يؤدي إلى توسيع غير منضبط للتجريم. (

كما رأت «المفكرة القانونية» أن إعادة تجريم الخبر الكاذب تمثل تراجعاً عن إلغاء المقاربة الجزائية، وأن الخطر يتضاعف بسبب التداخل الممكن بين الخبر الكاذب والقدح والذم.

وهذا مهم جداً بالنسبة إلى المواقع المستقلة.

فالموقع الصغير ليس لديه بالضرورة فريق قانوني يستطيع مراجعة كل كلمة قبل نشرها، كما أن التحقيق الصحافي القائم على معلومات من مصادر متعددة قد يصبح أكثر عرضة للشكاوى.

وكلما ارتفع خطر الشكوى الجزائية، ارتفع خطر الرقابة الذاتية.

الشكاوى: من يملك القدرة على إغراق الموقع بالدعاوى؟

القانون يسمح لأي شخص بالتقدم بشكوى إلى الهيئة في ما يتعلق بأحكامه.

من حيث المبدأ، حق الشكوى ضروري.

لكن القانون يحتاج إلى ضمانات قوية ضد الشكاوى الكيدية أو المتكررة.

لأن المؤسسة الكبيرة تستطيع مواجهة عشرات الشكاوى بواسطة محامين.

أما الموقع الصغير، فقد لا يستطيع.

وهنا يمكن أن تتحول الشكوى نفسها إلى وسيلة ضغط، حتى لو انتهت في النهاية من دون إدانة.

مجرد الاستدعاء، وتكليف محامٍ، وحضور جلسات، والرد على المخالفات، وتقديم المستندات، ومتابعة إجراءات الهيئة والقضاء، كلها كلفة مالية وزمنية.

وهذه الكلفة قد تكون كافية لإرهاق مؤسسة صغيرة.

لذلك، فإن ضمان حرية الإعلام لا يتعلق فقط بمنع العقوبة غير المشروعة، بل أيضاً بمنع استخدام الإجراءات القانونية نفسها كوسيلة إنهاك.

الإعلام العام والاحتكار الإعلاني: تراجعات لا يمكن فصلها عن ملف المواقع

من السلبيات التي سجلتها «المفكرة القانونية» أيضاً إلغاء فصل كامل كان يتصل بتنظيم وسائل الإعلام العامة، وإلغاء ضمانة كانت تمنع احتكار الملكية الإعلامية، فضلاً عن إسقاط ضمانة متصلة بمنع الاحتكار في سوق الإعلان.

وهذه التعديلات تصبح أكثر أهمية عندما ننظر إليها إلى جانب شروط المواقع الإلكترونية.

فالخطر لا يأتي من مادة واحدة.

إنه يأتي من تجميع مواد عدة في منظومة واحدة:

تنظيم صارم للموقع الصغير.

غرامات مرتفعة.

شروط صعبة للمدير المسؤول.

صلاحيات واسعة للهيئة.

إمكانية تقديم الشكاوى.

عودة بعض الأفعال إلى المسار الجزائي.

وفي المقابل، تخفيف بعض الضمانات التي كانت تحد من تركّز الملكية والإعلان.

وهنا يصبح من حق المراقب أن يسأل: هل نحن أمام قانون ينظم الإعلام، أم قانون يعيد توزيع القوة داخل السوق الإعلامية؟

الهيئة قد تكون مستقلة على الورق… لكن من يضمن استقلالها في الواقع؟

القانون يصف الهيئة بأنها مستقلة.

لكن استقلال أي هيئة لا يقاس فقط بالعبارة الواردة في القانون.

بل بطريقة اختيار أعضائها، والجهات التي تسميهم، ومدى خضوع قراراتها للمراجعة، وشفافية عملها، وقدرتها على مقاومة الضغوط السياسية.

وقد أظهرت المناقشات النيابية السابقة أن مسألة تشكيل الهيئة كانت من أكثر النقاط خلافاً، إذ طُرحت آراء تدعو إلى دور حكومي أكبر، في مقابل آراء تريد غالبية مستقلة من الجهات المهنية والأكاديمية.

وفي قانون يمنح الهيئة صلاحيات إنذار وفرض غرامات وإحالة المخالفات، تصبح هذه المسألة جوهرية.

فالهيئة المستقلة فعلاً يمكن أن تكون ضمانة للإعلام.

أما الهيئة التي يمكن التأثير في تشكيلها أو قراراتها، فقد تتحول إلى بوابة تنظيمية للضغط على الإعلام.

وفي الحالة اللبنانية، تأتي المفارقة صارخة: في الوقت الذي يفترض فيه القانون أن يواكب انفجار الإعلام الرقمي، قد يؤدي بعض ما ورد فيه إلى تصفية طبيعية للمؤسسات الأضعف مالياً.

العرب وشعوب الشرق الأوسط

 

والمواقع التي ستختفي لن تحتاج إلى قرار إغلاق.

قد تختفي لأن مديرها لا يستوفي الشروط.

أو لأن الموقع لا يستطيع تحمل كلفة التفرغ والهيكلة.

أو لأن غرامة واحدة كبيرة تكفي لإسقاط ميزانيته.

أو لأن كثرة الإجراءات والشكاوى تجعل الاستمرار غير مجدٍ اقتصادياً.

أو لأن الخوف من الملاحقة الجزائية يدفع مالكه إلى إيقاف النشاط.

وهنا يصبح «الإغلاق» نتيجة غير مباشرة للقانون.

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً.

إنها تمس جوهر العلاقة بين الدولة والإعلام.

فالإعلام المستقل لا يحميه فقط نص يقول «حرية الإعلام مصانة».

يحميه أيضاً قانون يجعل من الممكن لمؤسسة صغيرة أن تعيش، ولصحافي مستقل أن يعمل، ولموقع جديد أن يظهر، ولصوت مختلف أن يصل إلى الجمهور.

أما إذا أصبح البقاء في السوق مشروطاً بقدرة مالية وإدارية وقانونية لا تتوفر إلا لدى المؤسسات الكبيرة، فإن حرية الإنشاء تصبح حرية نظرية، بينما تصبح حرية الاستمرار امتيازاً عملياً.

وهنا تحديداً يكمن الخطر الأكبر في قانون الإعلام الجديد: أن ينتقل لبنان من مرحلة إعلام فوضوي ومتعدد، بكل عيوبه، إلى مرحلة إعلام أكثر تنظيماً، نعم، لكن أقل تعددية، وأكثر تركّزاً، وأشد قابلية للتأثر بمن يملك المال والنفوذ.

المصدر:“مصدر دبلوماسي”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى