أخبار عالمية

أزمة وقود طاحنة في السودان… ومعالجات رسمية تفجّر موجة سخرية

لم تعد أزمة الوقود في السودان مجرد طوابير طويلة أمام محطات الخدمة أو رحلة شاقة للعثور على لتر بنزين؛ فقد تحولت إلى أزمة تضغط على النقل والشحن والأسواق، فيما أثارت المعالجات الرسمية المعلنة موجة من السخرية والتعليقات على منصات التواصل الاجتماعي.

تعد الأزمة الحالية الثالثة من نوعها خلال أقل من شهرين، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول أسباب تكرار أزمة الوقود، رغم الوعود الحكومية بانفراجة وتحسن الإمدادات. وتضغط الأزمة من جديد على الخرطوم، وسط شكاوى مواطنين من ساعات انتظار طويلة وصعوبة في الحصول على حصص كافية من المحروقات، فيما قال أحد المواطنين إنه انتظر 3 أيام قبل أن يغادر المحطة بعد توقف الضخ.

وفي وقت تتكرر فيه مشاهد الازدحام أمام محطات الوقود، يقول سائقون وأصحاب أعمال إن الحصول على المحروقات بات مرتبطا بالندرة وتفاوت الأسعار، في ظل حديث عن وصول شحنات بكميات لا تكفي لتغطية احتياجات السوق لفترات طويلة.

وفي مدينة ود مدني بولاية الجزيرة، تبدو الأزمة أكثر حدة، إذ تشهد المدينة، وفق إفادات محلية، صفوفا طويلة أمام محطات الخدمة العاملة، بينما شملت أزمة المحروقات البنزين والغازولين وغاز الطهي، مع انعكاسات مباشرة على الحركة الاقتصادية والأسعار.

وغصت منصات التواصل الاجتماعي في السودان بمشاهد لا تحصى توثق استمرار أزمة الوقود في الخرطوم وود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، وغيرها من المدن السودانية.

وأظهرت المشاهد تكدس المركبات والمواطنين أمام عدد من محطات التزود بالوقود، إلى جانب صفوف متراصة على مد البصر في محطات أخرى. وتتحدث إفادات ميدانية عن شح كبير في إمدادات البنزين والغازولين، وانعدام شبه تام لغاز الطهي في بعض الأوقات.

وأظهرت فيديوهات متداولة مواطنا يوثق صفوف الوقود الطويلة في مدينة ود مدني، في مشهد يتناقض مع تصريحات رسمية نفت وجود أزمة في الوقود.

“الأزمة مستمرة”

ويقول محمد سليمان، سائق شاحنة، إن أزمة الوقود «لا تزال مستمرة»، مشيرا إلى وجود صفوف أمام المحطات.

ويضيف لـ”العربية.نت”/”الحدث.نت” أن الأزمة انعكست على أسعار الشحن والتذاكر، فضلا عن أسعار الوقود في السوق الموازية، قائلا إن «الوقود لا يملك سعرا ثابتا في السوق الموازية، وإنما يتحكم فيه فقط عامل الندرة».

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند محطات الوقود؛ فارتفاع تكلفة التشغيل ينتقل سريعا إلى قطاع النقل، ومنه إلى أسعار السلع والخدمات التي تعتمد على حركة الشاحنات والمواصلات.

ويقول محمد إبراهيم، صاحب وكالة سفريات في الخرطوم، ل«العربية.نت»، إن البنزين تحديدا بات من الصعب العثور عليه، متسائلا عن أسباب الأزمة في ظل ما وصفه بتناقض بعض التصريحات الرسمية مع ما يراه الناس على الأرض.

ويقول، ساخرا من الوضع: «البنزين غير متوفر والسلطات تقول غير ذلك، هل نصدقهم أم نصدق أعيننا؟».

باخرة تحل الأزمة… ثم تعود الأزمة

ويربط صاحب إحدى محطات الوقود، تحدث إلى «العربية.نت» طالبا عدم نشر اسمه، الأزمة بطريقة إمداد السوق بالمحروقات، قائلا إن دخول الشحنات يتم «باخرة تلو الأخرى»، وإن الكميات الواصلة لا تغطي الاحتياجات لفترة طويلة.

ويقول إن أسعار الوقود ارتفعت بصورة كبيرة في ولايات وسط السودان، مشيرا إلى أن سعر لتر البنزين في ولاية الجزيرة، وفق أحدث زيادة تحدث عنها، وصل إلى 8 آلاف و950 جنيها.

وتشير إفادات من مدينة ود مدني إلى ارتفاعات أكبر في السوق، إذ بلغ سعر البنزين، وفق هذه الإفادات، نحو 40 ألف جنيه مقابل الغالون الواحد، وسط توفر شحيح وانعكاسات مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية.

كما قفز سعر أنبوب غاز الطهي، وفق الإفادات ذاتها، إلى 106 آلاف جنيه، في ظل شح الإمدادات، فيما اضطر بعض المواطنين إلى حمل أسطوانات الغاز على ظهورهم بحثا عن محلات البيع.

ويضيف أن ارتفاع أسعار الوقود انعكس على المواصلات الداخلية، التي قال إن متوسط تعرفة الرحلة في مدينة ود مدني وصل إلى ما بين ألفي جنيه و3 آلاف جنيه، وسط تدهور في حالة الطرق والخدمات، بحسب وصفه.

ويختصر صاحب المحطة المشكلة في سؤال أكثر تعقيدا: ماذا يحدث بعد انتهاء مفعول الشحنة الجديدة؟
ويقول إن الباخرة الواحدة قد تغطي احتياجات السوق لأيام محددة، قبل أن تعود الأزمة من جديد، متسائلا عن غياب معالجة جذرية ومستدامة بدلا من التدخلات المؤقتة.

“هل نحن أمام علاج مؤقت؟”

ويرى المصدر أن الحديث المتكرر عن «معالجات» للأزمة يثير تساؤلات حول آلية إدارة ملف الوقود من الأساس.

ويقول: «لماذا وصلت الأمور إلى مرحلة المعالجات؟ من المفترض أن تكون لديك آلية عمل محددة تعمل وفقها. لماذا أحتاج إلى معالجة؟ حسنا، كيف كانت الأمور تسير في السابق؟ كيف كانت آلية العمل؟ وكيف كانت تتم عملية جلب مثل هذه الأشياء؟».

ويشير إلى أن استيراد الوقود كان يتم في السابق عبر ترتيبات تشارك فيها وزارة الطاقة والشركات والجهات المالية، متسائلا عن أسباب التحول إلى حلول قصيرة الأجل.

ويقدم مثالا على تكلفة البواخر، قائلا إن الباخرة قد تصل تكلفتها إلى نحو 70 مليون دولار، قبل دخولها ميناء بشائر في السودان وتفريغ حمولتها، معتبرا أن تجزئة الاستيراد بهذه الطريقة لا تبدو، من وجهة نظره، حلا لأزمة ممتدة.

ويضيف: «لا يمكن أن أدخل باخرة… ثم تكون المعالجة لمدة سبعة أو ثمانية أيام»، معتبرا أن مثل هذه المعالجات قد لا تتجاوز، في رأيه، «ذر الرماد في العيون» في ظل الأزمة الاقتصادية والخدمية الواسعة التي يعيشها السودان.

ضرائب ورسوم تضيف إلى كلفة الوقود

وتشير إفادة أخرى حصلت عليها “العربية.نت”/”الحدث.نت” إلى أن إدارات البترول في الولايات تفرض رسوما وضرائب يقول المصدر إنها ترفع تكلفة نقل الوقود وتوزيعه، كما كان ناقل الوقود «التنكر» يدفع، قبل أشهر، نحو 18 مليون جنيه لإدارة النقل في الولاية عن التنكر الواحد، وفقا لما ذكره المصدر.

وأضاف المصدر إن قيمة بعض الرسوم وصلت إلى ما يعادل 401 جنيه للتر، مع استمرار هامش الربح، الذي وصفه بأنه مرتفع أصلا.

وبحسب أحدث زيادة أشار إليها المصدر في ولاية الجزيرة، بلغ سعر لتر البنزين 8 آلاف و950 جنيها.

ويضيف أن هامش ربح تنكر الوقود، بعد عمليات الترحيل والضرائب والرسوم العامة وضرائب إدارة البترول، يصل إلى نحو 20 في المائة، وفقا لحسابه.

وفي رواية مختلفة لأسباب الأزمة، قال مصدر مطلع على ملف الوقود، تحدث إلى «العربية.نت» طالبا عدم نشر اسمه، إن الأزمة ترتبط بصورة أساسية بشح النقد الأجنبي وارتفاع سعر الدولار، وليس بالرسوم والضرائب المفروضة على الوقود. وفي السوق الموازية، يصل سعر الدولار الأميركي إلى نحو 8400 جنيه سوداني حسب مؤشرات التداول.

«لا توجد أزمة في الوقود»… والنفي الرسمي

وفي مقابل هذه الإفادات، نفت السلطات وجود أزمة في الوقود، في تصريحات أثارت جدلا واسعا، أعقبتها سخرية مريرة وعبارات تهكمية على منصات التواصل الاجتماعي.
ومع اشتداد الأزمة أجرى رئيس الوزراء كامل إدريس جولة تفقدية على عدد من محطات الوقود، ونفى رسميا وجود أي أزمة وقود في البلاد، مرددا من داخل إحدى المحطات أن «المحطات مليئة بالوقود ولا توجد أزمة».

واتهم إدريس من وصفهم ب«أعداء الوطن» بترويج الإشاعات وخلق ما سماها حربا اقتصادية مصطنعة.

كما عزت وزارة الطاقة والنفط الازدحام الحالي إلى جملة من العوامل الفنية والخارجية، من بينها التذبذب والبطء في التطبيقات المصرفية، مثل تطبيق «بنكك»، وهو ما أدى، بحسب الوزارة، إلى إبطاء عمليات الدفع والشراء داخل المحطات وتراكم السيارات.

وأشارت الوزارة كذلك إلى الاضطرابات الجيوسياسية في مضيق باب المندب، التي قالت إنها أخرت وصول ناقلات النفط ورفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري.

وفي السياق نفسه، عقد وزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم أحمد اجتماعا تنسيقيا ضم وزير المالية جبريل إبراهيم ومحافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني، لبحث موقف إمداد البلاد بالمنتجات البترولية والاطمئنان على استقرار توفير المشتقات البترولية، بما يضمن تلبية احتياجات القطاعات الحيوية والخدمية والإنتاجية، وتعزيز انتظام الإمداد بالوقود في الولايات.

وأوضحت وزارة الطاقة والنفط، في تعميم صحفي، أن الاجتماع أكد ضرورة مواصلة المراقبة والمتابعة المستمرة لموقف الإمداد البترولي، وتوفير التمويل اللازم لاستيراد المشتقات البترولية في الوقت المناسب، مع إحكام التنسيق بين الجهات المختصة لضمان استدامة الإمداد وتفادي أي اختناقات.

بين التصريحات الرسمية والواقع

وأثار التناقض الواضح بين التصريحات الرسمية التي تتحدث عن وفرة الوقود، والمشاهد التي توثقها إفادات المواطنين أمام المحطات، موجة من الغضب والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي في السودان.

ويرى كثير من المواطنين أن النفي الرسمي والحديث عن «مؤامرات» لا ينسجمان مع واقع الانتظار لساعات أو أيام أمام محطات الوقود، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعا في أسعار المحروقات وغاز الطهي.

ويرى منتقدون أن الحديث عن «أعداء الوطن» ومحاولات ترويج الإشاعات يمثل، من وجهة نظرهم، محاولة للتغطية على ما يعتبرونه فشلا إداريا، فضلا عن مخاوف من أن تمهد الأزمة لزيادات رسمية جديدة في أسعار المحروقات.

من يتحمل كلفة الأزمة؟

وبينما تتعدد الروايات حول أسباب أزمة الوقود، يجد المواطن نفسه في نهاية سلسلة طويلة من التكاليف: استيراد، شحن، تفريغ، نقل، رسوم وضرائب، ثم توزيع في سوق يعاني أصلا من شح السيولة وارتفاع تكاليف التشغيل.

ويقول أصحاب أعمال أن المشكلة لم تعد مرتبطة بسعر الوقود وحده، وإنما بما يترتب عليه من ارتفاع متسلسل في تكلفة النقل والشحن والتذاكر وأسعار السلع.

وفي المقابل، أثارت التصريحات الرسمية المتعلقة بمعالجة الأزمة موجة من التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يرى متابعون أن الفجوة بين ما يقال رسميا وما يواجهه المواطن أمام محطات الوقود أصبحت جزءا من الأزمة نفسها.

وبين باخرة تصل وأخرى ينتظرها السوق، وصفوف تمتد أمام المحطات، وأسعار تتغير مع تغير درجة الندرة، يبقى السؤال الأكبر: هل تكفي شحنة جديدة لإطفاء أزمة الوقود في السودان، أم أن المشكلة تحتاج إلى إعادة نظر كاملة في طريقة الاستيراد والتمويل والتوزيع والتسعير؟

المصدر: العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى