تذاكي جعجع لم يُفده… وانقلب السحر على الساحر


ليبانون ديبايت”
حاول سمير جعجع تحويل اعتكاف وزير الطاقة جو الصدّي إلى ورقة ضغط تدفع نحو استقالة الحكومة أو إجراء تعديل وزاري، لكن ذلك لم يتحقق. وبدلاً من أن يمنح الاعتكاف “القوات اللبنانية” مكسباً شعبياً، انقلب السحر على الساحر، وفتح الباب أمام انتقادات من داخل الحزب ومن خارجه، فيما رأى فيه كثيرون هروباً من المسؤولية لا مواجهة حقيقية.
“التيار” يهاجم و”القوات” تحشد… والرأي العام يتحرك
تحرك نواب ووزراء وقياديون في “التيار الوطني الحر” لمهاجمة الصدّي و”القوات”، معتبرين أن الاعتكاف إقرار ضمني بالفشل، وأن الحزب بات جزءاً من السلطة التي ينتقدها. في المقابل، دافع نواب ووزراء وقياديون قواتيون عن الوزير، واعتبروا أن الاعتكاف وسيلة ضغط مشروعة لتحميل الحكومة مسؤولياتها في ملف الكهرباء.
وبالتوازي، نشطت الحسابات الحزبية المؤيدة للطرفين، بين منشورات داعمة وأخرى مهاجمة، وهاشتاغات متنافسة وحملات إعلامية متبادلة. لكن التحرك الأهم لم يكن مبرمجاً ولا محسوباً لدى جعجع: الرأي العام المستقل، الذي لم يقتنع بأن الاعتكاف هو الحل. فحتى مع التعبئة الإعلامية القواتية، بدا أن شريحة واسعة من اللبنانيين، بينهم أنصار للقوات، رأت في الخطوة تراجعاً عن المواجهة وهروباً من المسؤولية.
جورج العلم: “الاعتكاف لون رمادي لا يليق بوزير يمثل القوات”
من أبرز الأصوات التي انتقدت الخطوة من داخل الحزب جورج العلم، مسؤول جهاز الشهداء السابق في “القوات اللبنانية”، الذي لا يزال منتمياً إليها. وكتب في منشور مطوّل على “فيسبوك”:
“لا أعلم من هو الغبي الذي نصحك بشيء اسمه اعتكاف، فالاعتكاف هو لون رمادي لا يليق بوزير يمثل القوات. إن تاريخنا لا يحمل لا المسايرة ولا المماطلة. هنالك لونان في القاموس: أسود أو أبيض، ولا ثالث لهما.”
ووضع العلم أمام الصدّي خيارين: إما الاستقالة وشرح أسبابها للبنانيين بالتفاصيل والأسماء والأرقام، وإما العودة إلى مجلس الوزراء “والقتال من الداخل”. وأضاف أن الوزير لا يمثل نفسه، بل يمثل شريحة “قاتل واستشهد لها 15 ألف رجل وامرأة”، داعياً إياه إلى ألا يبقى في “اللون الرمادي”.
كارين القسيس: “أين اختفت شجاعة إيلي كيروز؟”
ووجّهت الصحافية المقربة من “القوات” كارين القسيس سؤالاً لاذعاً إلى قيادة الحزب ونوابه: إذا كانت القوات تعتبر أن وزير المال ياسين جابر يعرقل مساراً إصلاحياً أو يرفض توجهاً حكومياً ضرورياً، فلماذا يبقى الاعتراض في حدود الكلام؟ وتساءلت: “أين الاستجواب؟ وأين المساءلة؟ وأين ممارسة الصلاحيات النيابية؟”
واستحضرت القسيس موقف النائب السابق إيلي كيروز عام 2012، حين واجه وزير الدفاع آنذاك فايز غصن وطرح الثقة به، متسائلة: “أين اختفت شجاعة إيلي كيروز؟”. واعتبرت أن المواد 131 و138 من النظام الداخلي لمجلس النواب تتيح استجواب الوزير وطلب طرح الثقة به، وأن الاكتفاء بالاعتراض الإعلامي يضعف صدقية خطاب القوات الإصلاحي.
ورأت القسيس أن اعتكاف الصدّي يمنح جبران باسيل وأسلافه “صك براءة” من مسؤولية إدارة ملف الكهرباء، لأن الاعتراض من دون مساءلة سياسية وقانونية محددة لا يغيّر شيئاً في واقع القطاع.
فراس الهاشم: “الاستقالة ورفع الغطاء أفضل”
وفي السياق نفسه، اعتبر المناصر القواتي فراس الهاشم أنه “لا أفق لمواجهة الإمضاء الثالث الذي يتحكم بمالية البلد”، ورأى أن “الاستقالة ورفع الغطاء أفضل من الاعتكاف، أو البقاء والمواجهة من الداخل التي لا تقدّم ولا تؤخّر”.
ويختصر موقف الهاشم اعتراضاً داخل البيئة القواتية على بقاء الحزب في الحكومة من دون القدرة على فرض حلول جذرية، ولا سيما في ملف الكهرباء. فبالنسبة إلى هذا التيار، قد يتحول الموقع الوزاري إلى غطاء سياسي لمنظومة عاجزة، فيما تبدو الاستقالة أكثر صدقية من اعتكاف لا يغيّر شيئاً.
سلمان سماحة: انتقاد علني من “قواتي سابق”
ووجّه سلمان سماحة، وهو قواتي سابق، انتقاداً علنياً للحزب، معتبراً أن الاستقالة، إذا لم تكن جزءاً من خطة شاملة لإسقاط الحكومة، لا قيمة عملية لها. ورأى أن الهدف اليوم ليس إسقاط الحكومة بقدر ما هو الضغط على مكوناتها التي تعرقل الحلول.
ودعا سماحة إلى مواجهة رسمية وإعلامية وشعبية مفتوحة، معتبراً أن المواجهة الحقيقية تكون داخل الحكومة لا بالاعتكاف عنها. وبرأيه، فإن بقاء الوزير في موقعه مع تعليق مشاركته في الاجتماعات لا يقدّم ولا يؤخّر، بل يعطي انطباعاً بالضعف والعجز عن تحويل الاعتراض إلى خطوات فعلية.
شارل سركيس: “روح انقبر قدّم استقالتك”
ولم تقتصر الانتقادات على البيئة القواتية، بل شملت شخصيات مسيحية مستقلة لا ترتبط بـ”القوات” أو “التيار الوطني الحر”. ومن بينها رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي شارل سركيس، الذي علّق على منصة “إكس” بسخرية لاذعة، قائلاً: “روح انقبر قدّم استقالتك، ما في شي بالدستور اسمه اعتكاف”.
وسخر سركيس من حاجة جعجع إلى موافقة سعودية قبل الإقدام على أي خطوة، في إشارة إلى ما يتردد عن “فيتو سعودي” حال دون استقالة الصدّي أو إجراء تعديل وزاري.
خيبة في القاعدة القواتية… من الفدرالية إلى الاعتكاف
تعكس هذه المواقف خيبة أمل لدى جزء من القاعدة القواتية، التي كانت تنتظر مواجهة أكثر جرأة وحلولاً جذرية. فبعد تراجع جعجع عن طرح الفدرالية، تجددت خيبة الأمل مع تراجعه عن خيار الاستقالة واللجوء إلى الاعتكاف.
وتربط أوساط سياسية هذا التراجع بما تصفه بوجود “فيتو سعودي” على الاستقالة أو التعديل الوزاري، ما دفع جعجع إلى اعتماد الاعتكاف بديلاً. لكن هذا الخيار لم يرضِ القاعدة التي انتظرت خطوة أكثر حسماً، في وقت يتزايد فيه الضغط الشعبي بسبب أزمة الكهرباء وارتفاع كلفة المولدات.
إيلي أسود: “الاعتكاف اختراع لبناني”
وانتقد إيلي أسود، نائب قائد “القوات اللبنانية” السابق، قرار الصدّي من زاوية دستورية، قائلاً إن الدستور يحدد للوزير ثلاثة خيارات: ممارسة مهامه ضمن التضامن الوزاري، أو تقديم استقالة خطية يرفعها رئيس الحكومة إلى رئيس الجمهورية لتصدر بمرسوم، أو إقالته بمرسوم تعديل وزاري. وأضاف: “لا يوجد شيء في الدستور اسمه اعتكاف وزير”.
واعتبر أسود أن الاعتكاف “اختراع لبناني للضغط”، بما يعني أن الوزير لا يحضر الاجتماعات ولا يوقّع، لكنه يحتفظ بمنصبه وراتبه وموكبه. ورأى أن ذلك يخالف مبدأ استمرارية المرفق العام ومبدأ التضامن الوزاري، لأن الوزير يمثل الحكومة لا حزبه، وأن اعتكافه يعطّل عملها. وختم بأن الاجتهاد الدستوري يعتبر الاعتكاف استقالة ضمنية غير معلنة، ويتيح لرئيس الحكومة طلب إعفاء الوزير.
يونس يسأل عن ديون كهرباء لبنان… وزرقا: “المواطن بدو الحل”
وخارج الاصطفاف الحزبي، اعتبر الإعلامي سيرج زرقا، المؤيد للخط القواتي، أن الاعتكاف حق، لكنه سأل: “العرقلة بموضوع الكهرباء ستستمر، شو جايي من بعد الاعتكاف؟ المواطن بدو الحل، مش مناكفات وكيدية”.
أما الخبير الاقتصادي منير يونس، فانتقد التناقض في الخطاب حول مؤسسة كهرباء لبنان، وكتب: “الذين صدّعوا رؤوسنا بأن كهرباء لبنان نهبت الدولة وابتلعت الودائع، وطالبوها بردّ سلفات خزينة بمليارات الدولارات، هم أنفسهم يقولون اليوم إن الدولة لا تدفع لكهرباء لبنان، وإنها مدينة لها! بالأمس كانت كهرباء لبنان مدينة للدولة، واليوم صارت الدولة مدينة لكهرباء لبنان! هل تغيّرت الحسابات، أم تبدّلت الرواية بحسب المصلحة؟”
وهنا جوهر الخلاف: يقول الصدّي إن الدولة لا تسدد مستحقاتها لمؤسسة كهرباء لبنان، فيما يعتبر وزير المال ياسين جابر أن المؤسسة مدينة للدولة والخزينة، وأن مستحقاتها يجب أن تُحتسب من أصل الدين المترتب عليها.
القوات حمّلت وزير الطاقة فوق طاقته
حمّلت “القوات اللبنانية” وزير الطاقة أكثر مما يحتمل، بعدما عجزت بثقلها السياسي والنيابي والوزاري عن دفع وزير المال إلى الاستجابة لمطالب مؤسسة كهرباء لبنان. وإذا كان الصدّي يحمّل جابر مسؤولية التراجع في ساعات التغذية، فإن عجز القوات عن جعل مستحقات قطاع الطاقة أولوية حكومية يكشف فشلاً سياسياً لا تقنياً فحسب.
فأزمة الكهرباء ليست أزمة وزير واحد، ولا يمكن تحميل الصدّي وحده مسؤولية تعثر ملف لم يستطع الحزب، رغم موقعه داخل الحكومة، فرض أولوياته فيه. وإذا كانت القوات ترفع شعار المواجهة والإصلاح، فعليها أن تحوّل ثقلها النيابي والوزاري إلى ضغط فعلي، لا أن تحمّل وزيرها مسؤولية فشل هي شريكة في إدارته.
وعلى جعجع أن يحسم خياره: إما مواجهة واضحة مع الرئيس نبيه بري ومؤسسات الدولة، أو تفاهم سياسي يتيح انتزاع مكاسب للبلد، على طريقة وليد جنبلاط. أما “أجر بالبور وأجر بالفلاحة” فلا تنفع. فالبقاء في الوسط، مع تحميل الوزير مسؤولية فشل يتجاوز وزارته، لن يقنع القاعدة القواتية ولا الشارع الذي بات يرى في الاعتكاف هروباً من المسؤولية، لا مواجهة شجاعة.



