من هنا وهناك

اتفاق يفتح ملفاً عمره 40 عاماً… طائفة لبنانية اختفت وبقيت أسرارها!

أعاد الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل، القاضي بالإفراج عن 5 مدنيين لبنانيين مقابل المساعدة في البحث عن رفات شخصيات يهودية لبنانية اختُطفت وقُتلت خلال الحرب الأهلية، فتح واحد من أكثر الملفات غموضاً في تاريخ لبنان، مسلطاً الضوء على طائفة كانت تضم نحو 20 ألف شخص، قبل أن يتراجع وجودها إلى عشرات الأفراد.

وفي تقرير أعدّه الصحافي باسم مروّة لوكالة “أسوشيتد برس”، من مدينة صيدا، كشفت شهادات يهود لبنانيين غادروا البلاد منذ عقود عن تفاصيل هجرتهم وعمليات الخطف التي استهدفت قياداتهم، وصولاً إلى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة التي أعادت قضيتهم إلى الواجهة.

وبحسب التقرير، وافقت إسرائيل الشهر الماضي على إطلاق سراح 5 مدنيين احتجزتهم قواتها في جنوب لبنان، مقابل مساعدة السلطات اللبنانية في البحث عن جثامين قادة يهود لبنانيين اختُطفوا خلال ثمانينيات القرن الماضي.

ومن أبرز هؤلاء إسحق ساسون، الرئيس السابق للطائفة اليهودية، والطبيب إيلي حلاق الذي عُرف بمعالجة المرضى من مختلف الطوائف، وسليم جاموس، الأمين العام السابق للطائفة.

وتشير وكالة الأنباء اليهودية إلى أن ما لا يقل عن 7 يهود لبنانيين لا يزالون ضمن نحو 17 ألف مفقود منذ انتهاء الحرب الأهلية، فيما تأكد مقتل آخرين واستُعيدت جثامينهم سابقاً.

ولم تعلن السلطات اللبنانية حتى الآن تحقيق أي اختراق في الكشف عن مصير المفقودين. ويؤكد المحامي باسم الحوت، الممثل القانوني للطائفة اليهودية، أن هؤلاء مواطنون لبنانيون، وأن نقل رفاتهم إلى الخارج، في حال العثور عليها، يخضع لإجراءات قانونية.

أما المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، دورون سبيلمان، فأكد أن إسرائيل تعتبر نفسها مسؤولة عن اليهود في مختلف أنحاء العالم، وأن هذه المسؤولية “لا تتوقف عند حدود إسرائيل، ولا تنتهي بالموت”.

ويستعيد التقرير تاريخ الطائفة اليهودية في لبنان، إذ توضح الصحافية ندى عبد الصمد، مؤلفة كتابين عن اليهود اللبنانيين، أن عددهم تراوح سابقاً بين 18 ألفاً و20 ألف شخص، تركز كثيرون منهم في منطقة وادي أبو جميل وسط بيروت، التي عُرفت باسم “وادي اليهود”.

وبعد حرب عام 1948، استقبل لبنان يهوداً قدموا من سوريا والعراق هرباً من التمييز والعنف، قبل أن تبدأ موجات الهجرة الكبرى عقب حرب عام 1967، وتتسارع بعد اتفاق القاهرة عام 1969، ثم اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.

ويتذكر الحاخام إيلي عبادي، البالغ 65 عاماً، والذي غادر بيروت في طفولته ويقيم حالياً في دبي، أن اليهود بدأوا يشعرون بالخوف مع تصاعد التوترات السياسية والتظاهرات التي رفعت شعارات معادية لإسرائيل واليهود.

ويقول عبادي، الذي يشغل صفة الحاخام الأكبر الفخري للإمارات ودول الخليج، إنه لم يزر لبنان منذ أكثر من 5 عقود، لكنه لا يزال يحتفظ بنحو 3000 أغنية عربية على هاتفه، ويتحدث مع أشقائه بالعربية والفرنسية، ويأمل العودة يوماً لإعادة فتح الكنيس اليهودي المركزي في بيروت.

ويشير التقرير إلى أن عمليات الخطف خلال الحرب الأهلية طاولت شخصيات يهودية بارزة، وقد وُجّهت أصابع الاتهام إلى تنظيم أطلق على نفسه اسم “منظمة المستضعفين في الأرض”.

ورغم أن اليهودية لا تزال واحدة من الطوائف الـ18 المعترف بها رسمياً في لبنان، فإن عدد اليهود المقيمين فعلياً بات ضئيلاً. ويقدّر عبادي وجود نحو 20 شخصاً فقط، بعضهم لا يعلن انتماءه الديني إلا للمقربين.

في المقابل، لا تزال لوائح الناخبين تضم نحو 4000 يهودي مسجل في بيروت و1000 في صيدا، يُرجح أن معظمهم يقيمون في الخارج.

ويؤكد المحامي الحوت وجود 5 كنس يهودية متبقية في لبنان، أقدمها في صيدا، حيث لا تزال لافتة “حي اليهود” قائمة في المدينة القديمة، إلى جانب كنيس ومنازل مغلقة.

ويقول الباحث طالب قرة أحمد إن كثيراً من يهود صيدا غادروا إلى أميركا اللاتينية قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فيما رحل آخر اليهود مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المدينة عام 1985، حاملين نسخاً من التوراة.

أما في بيروت، فقد رفض رئيس الطائفة الحالي سامو بحار إجراء مقابلة مع الوكالة أو السماح بالتصوير داخل كنيس ماغن أبراهام، الذي تضرر خلال الحرب الأهلية ورُمّم قبل نحو عقدين.

ويروي التقرير أيضاً قصة داني لينيادو، التي غادرت لبنان عام 1975 واستقرت لاحقاً في المكسيك، بعدما عاشت في دول عدة بينها إسرائيل. وتقول إن مسلحين احتجزوا والدها في بيروت واعتدوا عليه بالضرب، متهمين إياه بأنه “عميل إسرائيلي”، قبل أن يتدخل سياسي لبناني بارز لإطلاق سراحه.

ورغم اعتزازها بجذورها اللبنانية، ترفض لينيادو العودة حتى للزيارة، قائلة: “بالنسبة إليّ، فات الأوان” ، وتضيف: “أنا يهودية لبنانية، لكنني اليوم أصبحت كل شيء. يمكن أن أكون إسرائيلية أو فرنسية أو مكسيكية… أنا مواطنة يهودية في العالم”.

وهكذا، يعيد الاتفاق اللبناني الإسرائيلي فتح ملف يتجاوز قضية المفقودين، ليطرح أسئلة عن مصير طائفة لبنانية تشتت أبناؤها في أنحاء العالم، وعن أسرار عمليات خطف مضى عليها أكثر من 40 عاماً، ولا تزال الحقيقة الكاملة بشأنها غائبة.

المصدر: ليبانون ديبايت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى