شرفات متهاوية وعائلة ترفض الإخلاء… فصول مسلسل “الانهيار” في طرابلس لا تنتهي


يُدرك الطرابلسيّون أنّ واقع الكثير من مبانيهم، خصوصًا في المناطق الشعبية، بات يُشكّل قنبلة موقوتة قد تودي بحياتهم في أيّة لحظة. ومنذ ساعات، عاش سكّان منطقة القبّة، وتحديدًا بالقرب من المكان الذي شهد مصرع أحمد وإليسار المير، حالة من الهلع والرعب بعد قيام شرطة بلدية طرابلس بإخلاء مبنى العثماني في ساحة القبّة من جميع سكّانه عند الساعة السابعة والنّصف مساء أمس، وذلك حفاظًا على سلامتهم، إذْ تبيّن أنّ المبنى مصنّف ضمن الأبنية الآيلة للسقوط في الشمال وقد ينهار دون سابق إنذار.
يُمكن القول، إنّ الحادثة التي ألمّت بآل المير قبل أيّام، أثّرت و”علّمت” في المدينة بصورةٍ واضحة، لا سيّما بعد تكرار الخطر أو التهديد عيْنه، فقد عمدت إحدى العائلات التي تقطن في المبنى إلى العودة إليْه من جديد بعد إخلائه من جميع قاطنيه، وهو ما فعلته عائلة المير التي لم تتوقّع انهيار المبنى بعد ساعة من عودتها إليه، ولكن هذه المرّة، تدّخلت الدّورية الليلية التابعة للشرطة البلدية، وعملت على إعادة إخلاء المبنى وأغلقت مدخله بالكامل منعًا لعودة أيّ ساكن وتجنّبًا لكارثة لا تتحمّلها المدينة على الإطلاق.
في هذا السياق، يتساءل العديد من الطرابلسيين عن وُجهة المواطنين الذين أُخليت مبانيهم، حيث يدعو أحدهم عبر “لبنان الكبير” إلى فتح المدراس لإيوائهم قبل أنْ يتحوّلوا إلى مهجّرين أو نازحين بلا مأوى، وذلك إلى حين تأمين بديل لهم. ويقول: “قريبي يعيش في المبنى، وتوجّه إلى أقربائه مؤقتًا، وما أصعب الإخلاء والنّقلة في ظلّ هذه الظروف التي استُعجل فيها كلّ شيء، والمشكلة أنّ الكثير من جيرانه لا يعرفون إلى أين سيتوجّهون، وقد أبلغني أحدهم أنّ معهد الفندقية- الميناء الذي نُقلت إليه العائلات بعد انهيار مبنى ضهر المغر منذ أيّام أيضًا، لم يعد يحتمل كلّ هذه الأعداد وأصبح مليئًا بالنّازحين للأسف”.
وإلى ضهر المغر المنكوبة أيضًا، يُطلق أبو أحمد وهو سائق أجرة نداءاته عبر “لبنان الكبير، قائلًا: “المبنى الذي نعيش فيه منذ أكثر من أربعين عامًا آيل للسقوط، وشرفاته تتهاوى وتتساقط باستمرار كلّ فترة، ولقد ناشدنا وسائل الإعلام مرارًا وتكرارًا بغياب من يُساعدنا، كما تلقّينا إنذارات إخلاء من البلدية، لكنّنا عاجزون عن الانتقال، ففي هذه الشقق أكثر من عائلة كبيرة، ما هو البديل المتاح لها؟ ومن يتحمّل مسؤوليتنا؟”.
ويُضيف: “أمّا أنا، فقد أوقف شقيقي منذ فترة في سجن القبّة، وترك لي بناته، وأنا لديّ أطفال أيضًا، وزوجتي مريضة، فهل سأتمكّن من تحمّل كلفة النّقل أيضًا؟ نحن في وضعٍ يُرثى له، ولا أحد يلتفت إلى حالنا الذي تدهور بفعل الزمن، الرطوبة وتجمّع المياه التي أهلكت أعمدتنا، ناهيك عن البناء الذي لا يسعى أحد إلى صيانته لغياب الأموال اللازمة، ولأنّ بعض هذه المباني، شُيّد بالإسمنت دون رقابة، وبعضها الآخر من رمال البحر، ونحن عشنا لسنوات في خطر كبير ونحن لا ندرك هذه الحقيقة المرّة”.
في هذا السياق، ترأست محافظ الشمال بالإنابة إيمان الرافعي اجتماعًا للجنة متابعة الأبنية المتصدّعة في طرابلس، خُصّص لمتابعة ملف المباني الآيلة للسقوط واستكمال دراسة الخطّة الموضوعة لمعالجته. وأوضحت البلدية التي شاركت في الاجتماع، أنّها تعمل بالتنسيق مع إدارة الكوارث في الصليب الأحمر، الأجهزة الأمنية، ونقابة المهندسين التي عيّنت مهندسين في غرفة عمليات داخل البلدية. فيما لفت الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد بسام نابلسي إلى ضرورة إعداد تقرير مفصّل عن وضع الأبنية وتحديد أولويات التدعيم، لا سيّما في منطقتيّ القبة- ضهر المغر والتبانة، مشيرًا إلى إحالة أسماء العائلات التي أُجليت سابقًا إلى وزارة الشؤون الاجتماعية لإدراجها في برنامج “أمان”، مع صرف بدل إيواء لمدّة ثلاثة أشهر.
وفي ختام الاجتماع، تقرّر تفعيل خطّة الطوارئ في البلدية عبر إنشاء غرفة عمليات تعمل على مدار الساعة لمعالجة شكاوى الأبنية المتصدّعة. وشملت القرارات، إعادة التدقيق في قاعدة البيانات التي تضمّ 103 مبانٍ وتصنيفها حسب درجة الخطورة، وتحديد عقارات لإقامة مراكز إيواء مؤقتة (بيوت جاهزة) لاستخدامها في حالات الإخلاء السريع، بالإضافة إلى ضرورة الكشف الفوري على المباني الآيلة للسقوط والملاصقة للمدارس الرسمية، وإبلاغ المواطنين بضرورة الإبلاغ الفوريّ عن أيّ تسرّب للمياه لمعالجته، وسيتمّ إعداد دراسة هندسية للبنى التحتية في منطقتيّ التبانة وضهر المغر تمهيدًا لإحالتها إلى مجلس الإنماء والإعمار، وإصدار نشرات توعوية تحثّ شاغلي الأبنية المتصدّعة على إجراء الكشف الدوري والصيانة اللازمة.
ومع التدهور الكبير في طرابلس، تحرّكت بلدية القلمون أيضًا ضمن نطاق مسؤوليتها، ونشرت بيانًا أشارت فيه إلى أنّه بناءً على البلاغات الواردة بخصوص المبنى القائم على العقار رقم 1651، أجرت لجنة الطوارئ في البلدية كشفًا ميدانيًا موسّعًا للتحقّق من الأضرار وتقييم المخاطر المحيطة بالمبنى وقاطنيه. وتبيّن أنّه يُعاني من تدهور إنشائيّ خطير يتمثل في تصدّع حاد، هبوط وانحناءات، تدهور في البنية التحتية، تصدّعات طولية، وانهيارات جزئية تُشكّل خطرًا داهمًا على المارّة والمحيط. وعليه، وجّهت البلدية بضرورة تنفيذ إجراءات داعمة حرصًا على سلامة المواطنين.



