المناطق التجريبية: بداية حل ام تمهيد لجولات جديدة؟


كتبت ناديا غصوب في” نداء الوطن”:على مدى أشهر، اصطدمت كل محاولات تثبيت وقف إطلاق النار بعقبة أساسية تتمثل في غياب آلية تنفيذية واضحة تضمن عدم عودة المواجهة. وبينما كانت إسرائيل تطالب بإبعاد “حزب الله” عن الحدود، كان لبنان يصر على وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من النقاط التي لا تزال تحتلها إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية. من هنا جاءت فكرة الـPilot Zone.
المقاربة الأميركية لا تقوم على محاولة معالجة الملف دفعة واحدة، بل على اعتماد نموذج تدريجي. تبدأ العملية بمنطقة محددة في الجنوب يتولى الجيش اللبناني فيها المسؤولية الأمنية الكاملة، مع غياب أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة، مقابل توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل تلك المنطقة وعودة السكان إليها بشكل طبيعي. وإذا نجحت التجربة، يجري توسيعها تدريجيًا لتشمل مناطق إضافية وصولا إلى كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. ظاهريًّا تبدو الفكرة تقنية وأمنية، لكنها في جوهرها سياسية بامتياز. فالولايات المتحدة تدرك أن الحديث المباشر عن نزع سلاح “الحزب” على مستوى لبنان كله، سيؤدي إلى انفجار سياسي داخلي ورفض فوري من “الحزب” وحلفائه. لذلك يجري الانتقال إلى مقاربة مختلفة تقوم على خلق وقائع ميدانية جديدة بشكل تدريجي، بحيث يصبح وجود الجيش اللبناني وحده في منطقة معينة أمرًا واقعًا يمكن البناء عليه لاحقًا.
بمعنى آخر، لا تسأل واشنطن اليوم كيف يمكن نزع السلاح من الجنوب دفعة واحدة، بل كيف يمكن إنشاء أول منطقة خالية من أي سلاح خارج الدولة، ثم البناء على نجاحها.
بالنسبة لإسرائيل، تمثل هذه الفكرة اختبارًا عمليًّا لقدرة الدولة اللبنانية على ضبط الحدود ومنع أي نشاط عسكري معادٍ انطلاقًا من الجنوب. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهي تشكّل فرصة لإثبات أن تطبيق القرار 1701 يمكن أن يبدأ بخطوات عملية بدلا من بقائه مجرد نص سياسي. لكن في المقابل، تثير الخطة جملة من الهواجس اللبنانية. فيخشى منتقدو المشروع أن يتحول مفهوم “المنطقة النموذجية” إلى صيغة جديدة من المناطق العازلة غير المعلنة، أو أن يصبح مقدمة لفرض ترتيبات أمنية دائمة تستجيب للمطالب الإسرائيلية أكثر مما تعالج أسباب التوتر الأساسية.
كما أن “حزب الله” ينظر إلى الطرح من زاوية مختلفة تمامًا. فبالنسبة إليه، المشكلة ليست في انتشار الجيش اللبناني، بل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض النقاط الحدودية، واستمرار الغارات والاغتيالات داخل الأراضي اللبنانية. ولذلك، يعتبر أن أي نقاش حول ترتيبات أمنية جديدة يجب أن يبدأ أولا بوقف الانتهاكات الإسرائيلية.
أما الدولة اللبنانية، فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، هناك فرصة لإعادة تثبيت حضور المؤسسات الشرعية في الجنوب واستعادة جزء من الاستقرار المفقود منذ أشهر. ومن جهة أخرى، هناك خشية من أن يؤدي الانخراط في هذه الآلية إلى فتح مواجهة سياسية داخلية حول ملف السلاح، في توقيت لا يزال لبنان يعيش فيه تداعيات الحرب الأخيرة.
وكتب معروف الداعوق في” اللواء”: يستبعد ان تلاقي محاولات تنفيذ المناطق التجريبية في الجنوب، قبولاً وتجاوباً من الحزب في القريب العاجل، ما دام الموقف الايراني الرافض لفصل المسار اللبناني عن قبضة ايران المعتادة على حاله، وفي المقابل تستمر الحرب الدائرة في الجنوب بين حزب الله وإسرائيل منذ عملية طوفان الأقصى ولو بتقطع في بعض الأحيان، ما يزيد من حجم الدمار والخراب الناجم عنها والخسائر الفادحة بالارواح والممتلكات، واطالة امد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، في لا يظهر في الافق القريب مايؤشر إلى نهايتها، بالرغم من محاولات ومساعي وقفها، من خلال الجهود والاتصالات العربية والدولية، والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية اميركية مميزة، الا اذا تبدلت المعطيات السائدة حاليا، من خلال توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق نهائي بينهما في وقت قريب، ما ينسحب حلحلة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في ختام جلسات التفاوض الدائرة بين لبنان وإسرائيل، او قيام الادارة الاميركية بممارسة ضغوطات قوية من خلال استكمال العمليات العسكرية والحصارالاقتصادي بفاعلية أشد على إيران، ومن خلالها يمكن اضعاف معارضة الحزب بالداخل اللبناني، وتسريع خطى تنفيذ تفاهمات واتفاقيات المفاوضات الجارية لانهاء الحرب وانقاذ لبنان من تداعياتها ومؤثراتها الخطيرة.



