بطلة الشطرنج اللبنانية التي قالت “كش” للاعبي الاحتلال

يكشف والد بطلة لبنان في الشطرنج لورين عبد الصمد لـ الميادين نت أنّ ابنته انسحبت من اللعبة أمام لاعبي العدو عن سابق إصرار، وهي التي تشاهد تدمير المنازل واستهداف الأطفال، ولو بقيت في المنافسة لحقّقت مركزاً عالمياً من بين المراتب الثلاث الأولى عالمياً.
لم تكن رقعة الشطرنج في بطولة العالم الأخيرة مجرّد مربّعات بيضاء وسوداء تتنافس عليها البيادق والقلاع، بل تحوّلت — كما هي العادة دائماً حين يحضر لبنان — إلى “جبهة مواجهة حقيقية” بين الحقّ والباطل، أثبتت فيها ابنة جبل لبنان الأشم، الطفلة لورين عبد الصمد، أنّ الانتماء لا يُساوَم عليه، وأنّ المبادئ مبادئ” لا تقبل “الـكش ملك” أمام إغراءات الألقاب الدولية.
بثقةٍ تستمدّها من أرز جبل الباروك وشعاع شمس الشوف في جبل لبنان، ودّعت لورين حسابات النقاط والترتيب العالمي، وخطّت بانسحابها من مباراتين متتاليتين أمام لاعبي “الكيان الإسرائيلي” ، فصلاً جديداً من فصول المقاومة الثقافية والرياضية. انسحابٌ لم يكن خسارةً، بل هو الانتصار الأكبر في معركة الوعي والوجود.
موقفٌ يزن ذهباً
“الشخص لا يمكن أن ينفصل عن المبدأ، ولا يمكن أن ينفصل المبدأ عن الشخص”، قالها قائد الحركة الوطنية اللبنانية الشهيد كمال جنبلاط يوماً، وهكذا علّمت مدرسة الكرامة اللبنانية، المواطن اللبناني أنّ أرضه ووجوده ومقدّراته، والحفاظ على إرث الأجداد وأواصر الوطن والذود عنه بشتى السبل، هي بديهيات فوق كلّ اعتبار وهكذا ترجمت البطلة لورين الكلمات إلى أفعال على الساحة الدولية.
وفي وقتٍ يشهد فيه لبنان عدواناً إسرائيلياً تتهاوى فيه بعض الحسابات أمام بريق الإغراءات، وقفت ابنة الجبل صلبةً كصخور بلادها، معلنةً برفضها اللعب حرماً قاطعاً على التطبيع، مؤكّدةً للعالم أجمع:
-لبنان لا يعترف بالاحتلال، لا فوق الأرض ولا على رقعة شطرنج.
-البطولة الحقيقية هي أن تحافظ على وجهك الإنساني والوطني مشرقاً، حتى لو كلّفك ذلك خسارة لقبٍ عابر.
بين “النقلات” الذكية والموقف الشجاع
لورين الجميلة هي قطعاً لا تتقن لغة الاستراتيجية والتخطيط، لكنها تعرف متى تُقدّم حصاناً ومتى تحمي ملكاً. وفي هذه البطولة، قدّمت النقلة الأقوى في مسيرتها: نقلة الكرامة اللبنانية. انسحابها ربما صدم لجان التحكيم وأربك المنظّمين، لكنه أتى ليؤكّد أنّ في لبنان شجرات أرزٍ جذورها ضاربة في عمق الانتماء، لا تهزّها رياح الضغوط الدولية.
لورين عبد الصمد، لم تخسر البطولة، بل ربحتِ احترام الجميع. عادت إلى جبلِها متوّجةً بذهب الموقف، وهو الأبقى والأغلى في سجلّات التاريخ. مبروك للبنان هذه البطلة، وطوبى لهذا الجيل الذي يرفض أن ينسى.
من هي الطفلة “البطلة”؟
لورين هي طفلة لبنانية موهوبة، وتلميذة المدرسة الرسمية في بلدة عماطور – جبل لبنان، وتُعرف بـ “الطفلة المعجزة”، نظرًا لأنها أول طفلة تصل إلى هذا المستوى العريق في الشطرنج عن فئة الـ 8 سنوات فما دون.
وقبل التأهّل إلى الحدث العالمي، كانت لورين قد حقّقت المركز الأول في بطولة الشطرنج التي أقيمت في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU) في بيروت، ونالت كأساً عن فئتها العمرية من الاتحاد اللبناني للشطرنج تقديراً لأدائها المتميّز.
وخلال مشاركتها في البطولة الأخيرة، سجّلت لورين رقماً قياسياً في الدور نصف النهائي، بعدما حسمت مبارياتها خلال 3 دقائق فقط.
في إطار “بطولة شتورة للشطرنج”، حقّقت الطفلة لورين عبد الصمد إنجازاً استثنائياً ضمن فئة ما دون 8 سنوات (U8)، بعد أن خاضت 7 جولات متتالية وفازت في جميع مباريات البطولة من دون أيّ خسارة.
ولطاما كان للأهل دور حاسم في مسيرة أولادهم، وهذا ما عبّر عنه والدها بسّام عبد الصمد، فقد عبّر قبيل التوجّه إلى البطولة العالمية عن فخره بابنته، منوّهاً بأنّ هذا الاستحقاق العالمي جاء تتويجاً لجهودٍ مشتركة من الأستاذ حسان أبو شقرا، ومدرسة لورين عماطور الرسميّة وبلدية عماطور، والاتحاد اللبناني للشطرنج، وبدعم من محبّيها.
وجاء في منشور السيد عبد الصمد التالي: “قِفي فخراً يا عماطور… فابنتكِ لورن عبد الصمد ستشارك في بطولة العالم للشطرنج في جورجيا”.
وقال عبد الصمد للميادين نت من مقرّ البطولة في جورجيا إنّ ابنته “انسحبت من اللعبة أمام لاعبتين إسرائيليتين عن سابق إصرار، وهي التي تتابع الأخبار وتشاهد تدمير المنازل واستهداف الأطفال، ولو بقيت في المنافسة لحقّقت مركزاً عالمياً في المراتب الثلاث الأولى عالمياً”.
ويضيف “حتى لو كان القانون اللبناني يسمح باللعب مع اللاعبين الإسرائيليين، فهي لم تكن لتلعب معهم، فلدى لورين – رغم صغر سنها- موقف من ذلك بشكلٍ حازم، حتى أنّ ما جرى بعد انسحابها، أثرّ على لعبها في المباراة اللاحقة فخسرت أمام لاعبة ضعيفة، وذلك بسبب الحالة النفسية التي مرّت بها”..
وينوّه إلى أن “لورين لا تزال صغيرة، وهي حقّقت هذه الإنجازات خلال عام واحد فقط، وقد لاقت الدعم والتشجيع من الاتحاد اللبناني للشطرنج، كذلك قام الاتحاد المصري بالاتصال بنا والتهنئة على هذا الإنجاز”.
وتستعدّ “البطلة الصغيرة”، بعد وصولها صبيحة الغد إلى بيروت، للمشاركة بحماسة في بطولة لبنان للعام 2026.
التزام بالقانون اللبناني
وفي الإطار قالت صحيفة “الأنباء” اللبنانية “في موقفٍ التزمت فيه بالقانون اللبناني، انسحبت البطلة اللبنانية لورن عبد الصمد من مباراتين أمام لاعبتين إسرائيليتين خلال مشاركتها في بطولة العالم للشطرنج للفئة العمرية تحت 8 سنوات، المقامة في باتومي – جورجيا، لتخسر بذلك نقطتين كان من الممكن أن تؤثّرا في ترتيبها النهائي.
ورغم هاتين الخسارتين الاعتباريتين، نجحت ابنة بلدة عماطور – الشوف في تحقيق 3 انتصارات مهمة على لاعبات من الولايات المتحدة الأميركية، وجنوب أفريقيا، وأرمينيا، مؤكّدةً حضورها بين نخبة لاعبات العالم في فئتها العمرية.
وجاء هذا الأداء ثمرة موهبتها وجهودها التدريبية المستمرة بإشراف مدرّبها الكابتن يامن غسان نصر، الذي رافقها في رحلتها إلى البطولة العالمية.
ولم تقتصر مشاركة لورين على النتائج الرياضية، بل حملت أيضاً موقفاً رأت فيه وأسرتها تعبيراً عن قناعة وطنية، إذ التزمت بعدم مواجهة لاعبتين إسرائيليتين، رغم إدراكها أنّ ذلك سيؤثّر على رصيدها في البطولة.
ورغم أنها لم تعد إلى لبنان حاملة لقباً عالمياً، فإنها عادت بعد تجربة دولية مميّزة، حقّقت خلالها 3 انتصارات، وقدّمت صورة مشرقة عن طفلة لبنانية تمثّل بلدها على الساحة العالمية، وتجمع بين المنافسة الرياضية والالتزام بما تؤمن به.
لورين عبد الصمد… 3 انتصارات، وموقفٌ سيبقى جزءاً من قصة مشاركتها في بطولة العالم، وعادت إلى بلدها حاملة شهادة بالوطنية.
وعلى رقعةٍ من 64 مربعاً، نجحت لورين في مخاطبة العالم قائلةً: إنّ لبنان لا يُهزم، وإنّ الفكر اللبناني أقوى من كلّ التحدّيات”.
عندما كرّم “الميادين نت” البطلين أبو ضاهر وفوّاز
يذكر أنّ مبادرة لورين الوطنية ليست الأولى، فمثلاً، في عام 2024 انسحبت اللاعبة الطفلة جيسيكا قبيسي من المسابقة العالمية بعد تحقيقها لقب “بطلة لبنان” في لعبة الشطرنج.
وفي عام 2022 قامت بطلة الشطرنج اللبنانية، ناديا قاسم فواز، بالانسحاب من “مهرجان أبو ظبي الدولي الرابع المفتوح”، بعدما أوقعها التصنيف في مواجهة لاعب من الكيان الإسرائيلي.
وكان الملاكم اللبناني شربل جوزيف أبو ضاهر في العام 2022 أيضاً، قد انسحب من بطولة العالم للناشئين التي جرت في أبو ظبي رفضاً للتطبيع مع الاحتلال، بعد رفض مواجهة لاعب إسرائيلي.
و يومها، أعرب والد الملاكم اللبناني عن افتخاره بما قام به نجله، وشكر للأمين العامّ لحزب الله (سيد شهداء الأمة) السيد حسن نصر الله موقفه المشيد بما قام به اللاعب اللبناني.
وكانت مكاتب” الميادين أونلاين” قد استقبلت البطلين أبو ضاهر وفواز، في مبادرة تكريمية لمواقفهما المشرّفة، مع منحهما الميدايات التذكارية، وتوّج اللقاء بحوار مفتوح معهما.
وحذا أبو ضاهر حذو مواطنه عبد الله منياتو، الذي انسحب من بطولة العالم للفنون القتالية المختلطة التي أقيمت العام الماضي، في بلغاريا، بعد أن جمعته القرعة مع لاعب إسرائيلي.
وكان الرياضي اللبناني الشاب عبد الله منياتو ومدربه محمد الغُربي، انسحبا من بطولة العالم في الفنون القتالية المختلطة “MMA”، بعد أن وضعت القرعة منياتو في مواجهة لاعب إسرائيلي، في البطولة التي أقيمت في بلغاريا عام 2021.



