ماذا وراء زيارة الشيباني طرابلس؟


لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الثانية إلى لبنان مجرد خطوة دبلوماسية في سياق إعادة بناء العلاقات بين البلدين، بل جاءت محمّلة برسائل متعددة الاتجاهات، عكست ملامح المقاربة التي تريد دمشق الجديدة اعتمادها في التعاطي مع لبنان.
فعلى المستوى العام، استوقفت محطة لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ بدت أكثر من لقاء بروتوكولي. فقد حملت في طيّاتها رسالة طمأنة إلى الطائفة الشيعية وإلى الداخل اللبناني عمومًا، مفادها أن سوريا الجديدة لا تنظر إلى لبنان كساحة لتصفية الحسابات، ولا تحمل مشروعًا للتدخل العسكري أو للانخراط في أي مواجهة تستهدف سلاح “حزب الله”، بل تسعى إلى علاقة قائمة على احترام سيادة الدول واستقرارها.
أما محطة طرابلس، فكانت الأكثر رمزية. فالمدينة التي شكّلت طوال سنوات الثورة السورية إحدى أبرز حواضنها الشعبية والسياسية، استقبلت الشيباني بحفاوة عكست استمرار هذا الوجدان، ولكن هذه المرة تجاه الدولة السورية الجديدة التي وُلدت من رحم تلك الثورة. ومع ذلك، لم يكن المشهد مجرد استقبال شعبي، بل حمل أيضًا بعدًا من الوفاء وردّ الجميل لمدينة دفعت أثمانًا سياسية وأمنية واقتصادية نتيجة انحيازها المبكر إلى الثورة السورية.
غير أن الزيارة لبّت أيضًا حاجة سورية. ففي الأشهر الماضية، تصاعدت أصوات داخل طرابلس، ولا سيما من ذوي الموقوفين الإسلاميين، تعاتب دمشق الجديدة، معتبرة أنها تطالب بإطلاق سراح موقوفين سوريين في لبنان، فيما تتجاهل اللبنانيين الذين سُجنوا، أو ما زالوا موقوفين، على خلفية مشاركتهم في القتال إلى جانب الثورة السورية أو لمجرد نصرتها. لذلك، كان من مصلحة دمشق أن تؤكد أن طرابلس لا تزال في صلب اهتمامها، وأنها تريد الحفاظ على المدينة بوابة محبة وانفتاح تجاه سوريا الجديدة، لا أن تتحول إلى بيئة تشعر بالخذلان.
وفي تفاصيل الزيارة، بدا واضحًا أن الشيباني تعمّد زيارة دار الفتوى في الشمال، حيث اقتصر لقاء النواب والسياسيين على اجتماع واحد فيها، من دون لقاءات منفردة أو وعود بمواعيد خاصة مع القيادة السورية، رغم أن عددًا منهم يسعى منذ أشهر إلى فتح قنوات مباشرة مع دمشق ومع الرئاسة فيها عبر القائم بالأعمال إياد الهزاع. وباستثناء زيارة رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي إلى سوريا، والتي جاءت بوساطة تركية، لم تُسجّل أي زيارة لأي شخصية سياسية أو دينية شمالية إلى سوريا.
ولعلّ هذه كانت الرسالة الأوضح في الزيارة. فسوريا الجديدة أرادت أن تقول إن زمن العلاقات الشخصية والامتيازات السياسية قد انتهى، وإن الثورة التي كانت تعمل في ظروف استثنائية أصبحت اليوم دولة لها مؤسسات وقواعد دبلوماسية. فالعمل ضمن مجموعات قتالية شيء، وإدارة دولة شيء آخر. ومن هذا المنطلق، تريد دمشق أن تتعامل مع لبنان باعتباره دولة، ومع اللبنانيين عبر مؤسساتهم، لا عبر الوسطاء ومراكز النفوذ، علّ هؤلاء السياسيين يفهمون التوجّه الجديد لسوريا ويكفّوا عن طلب المواعيد والاستثناءات.
بين عين التينة وطرابلس، رسم الشيباني معالم السياسة السورية الجديدة: طمأنة في الداخل اللبناني، ووفاء لمدينة ناصرت الثورة، ورسالة حاسمة بأن دمشق تريد فتح صفحة جديدة عنوانها علاقة دولة بدولة، لا علاقة وصاية أو محاور كما كان الحال في الماضي.
المصدر: نداء الوطن



