عودة النازحين إلى الجنوب “مبادرات فردية”: الدمار الهائل وغياب التمويل يؤجل مسار التعافي

“ليبانون ديبايت”-باسمة عطوي
لا تكفي جولات وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد على قرى وبلدات الجنوب المُدمرة، أو نصب الخيم البحرية على شاطئ صور لتأمين عودة النازحين وإعادة الدورة الاقتصادية، فهذه الخطوات على أهميتها ورمزيتها تبقى قاصرة عن تحقيق عودة النازحين الشاملة ودائمة، لأن عودتهم ليست قراراً فردياً فقط، بل هي نتيجة توافر ثلاثة عناصر مترابطة الأمن، والإعمار، والتمويل، وهذا الأمر غائب إلى اليوم في جنوب لبنان للأسف. فحتى لو توقفت المعارك، فإن غياب الأموال لإعادة بناء المنازل والبنى التحتية، وإستمرار القلق الأمني، يجعلان العودة بطيئة ومحدودة، ويحولانها إلى ما يُشبه “العودة الهشة” لأنها غير مُستقرة، ولأن الظروف التي تسمح بالعيش الطبيعي لم تكتمل بعد وإن كانت غير المستحيلة.
لماذا لا يعود النازحون؟ الأسباب عديدة أولها أن الوضع الأمني لا يزال غير مستقر، ورغم توقيع الاتفاق لا تزال هناك خروقات وغارات وتوغلات إسرائيلية ووقف إطلاق النار لم يتحول بعد إلى سلام مستدام. كما أن حجم الدمار كبير جدا وبحسب الاحصاءات أكثر من 61 ألف وحدة سكنية تضررت أو دُمّرت، وهناك نحو 8.5 ملايين متر مكعب من الأنقاض، وإزالة هذه الأنقاض وحدها تحتاج إلى حوالي 250 مليون دولار، كما تضررت شبكات الكهرباء والمياه والطرق.
ما يقف حائلا أمام عودة النازحين أيضا هو أزمة تمويل إعادة الإعمار، فأضرار الحرب تُقدّر بما لا يقل عن 20 مليار دولار، ولا توجد حتى الآن خطة دولية واضحة لتمويلها وكثير من المنازل تعرضت لأضرار جزئية أو كلية، فيما لا يمتلك أصحابها القدرة المالية على ترميمها، خصوصاً في ظل غياب تعويضات كافية أو سريعة. و الأزمة المالية والمصرفية في لبنان منذ عام 2019، حدّت من قدرة الدولة على تمويل التعويضات وإعادة تأهيل البنى التحتية، كما قلّصت قدرة المواطنين على استخدام مدخراتهم أو الحصول على قروض.
و لا بد من الإشارة أيضا إلى أن عددا كبيرا من السكان يعتمدون على الزراعة أو التجارة أو الأعمال الصغيرة، وقد تضررت هذه الأنشطة بسبب الحرب، ما يجعل العودة من دون مصدر رزق أمراً بالغ الصعوبة. حتى في القرى الآمنة نسبياً، قد تكون خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات والطبابة والتعليم غير مكتملة، ما يدفع العائلات إلى تأجيل العودة.
بحسب دراسة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات صدرت في أول تموز الحالي، بعنوان “النازحون بعد الاتفاق الإطاري: قراءة في تعقيدات النزوح والعودة”، فإن توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران الماضي، لم يفضِ إلى عودة النازحين إلى جنوب لبنان لأنهم يواجهون تحديات مُعقدة تتجاوز الإعلان عن وقف الأعمال العدائية. فالإتفاق شكّل محطة سياسية جديدة في مسار الأزمة، إلا أن انعكاساته الميدانية ما تزال محدودة، حيث بقيت عودة النازحين مرتبطة بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الواقع الأمني في جنوب لبنان، ومستقبل إعادة الإعمار، وآليات تنفيذ الاتفاق، الأمر الذي يجعل عودة السكان حتى الآن عملية تدرّجية وغير مستقرة.
وكشفت الدراسة بالإستناد إلى بيانات المركز الوطني للبحوث العلمية عن تدمير أو تضرر أكثر من 61,000 وحدة سكنية بين آذار وأيار 2026، ما حوّل أجزاء واسعة من جنوب لبنان إلى مناطق غير صالحة للسكن، حيث يعاني نحو 134,800 نازح في مراكز الإيواء من ضغط هائل، خاصة في بيروت وجبل لبنان، ما دفع الجهات المعنية لتوجيه موجات جديدة نحو الشمال والبقاع، وهي مناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية. وتتفاقم الأزمة ديموغرافيًا، حيث يمثل النساء والفتيات أكثر من نصف النازحين، مع وجود 16 ألف امرأة حامل يواجهن مخاطر صحية مضاعفة نتيجة استهداف المراكز الطبية.
ويشير الدراسة إلى أن العودة للجنوب ما عادت مسألة رغبة شعبية، بل أصبحت “ممارسة متدرجة ومجزأة” أو “عودة معلّقة”. وتبرز ثلاثة معوّقات بنيوية تحول دون تحول هذه العودة إلى مسار دائم، هي الدمار المادي الهائل الذي لم يقتصر على الوحدات السكنية، بل تجاوز ذلك إلى وجود نحو 8.5 مليون متر مكعب من الردم، بتكلفة إزالة تقدر بـ 250 مليون دولار، إضافة إلى انهيار شبه كامل في شبكات المياه والكهرباء والطرقات؛ يضاف على ذلك أزمة التمويل، حيث قدر وزير المالية اللبناني أضرار الحرب بـ 20 مليار دولار على الأقل. لذا ففي ظل غياب خطة دولية شاملة لإعادة الإعمار وفجوة التمويل الحادة، باتت مشاريع التعافي مُعطلة. كما يجب ألا تُغفل الضمانات السياسية، حيث يربط الاتفاق الإطاري إعادة الإعمار ونزع سلاح الجماعات المسلحة بجدول زمني غير واضح، مع آلية مراقبة دولية لا تزال قيد التبلور، ما يبقي النازحين في حالة من عدم اليقين.
وتشير الدراسة إلى أن الخوف من تجدد الحرب هو “العامل النفسي” الأبرز الذي يمنع الاستقرار الاجتماعي؛ فالنازحون الذين عانوا نزوحًا متكررًا لم يعودوا يثقون في استدامة التهدئة، ما يدفعهم للقيام بـ “زيارات استكشافية” فقط لتفقد منازلهم ثم العودة إلى أماكن نزوحهم.
وفي هذا السياق، تواجه الدولة اللبنانية عجزًا مؤسساتيًا، حيث يُنتظر منها تنفيذ التزامات أمنية موسعة بينما تعاني ضعفًا في القدرة اللوجستية والمالية. ويتحول الجيش اللبناني، وفقًا للواقع الميداني، إلى جهاز يضبط “العودة الآمنة” ويمنع العودة غير المنظمة في المناطق الخطرة، بدلاً من أن يكون جهة قادرة على تمكين النازحين من العودة.
وتشير الدراسة إلى أن الجنوبيون يبحثون عن إستقرار مفقود، حيث إن المشهد اللبناني يعكس تداخلًا قاتلًا بين الأمن، والسياسة والاقتصاد والدمار. فمن دون تسوية سياسية نهائية، وتمويل فعلي لإعادة الإعمار، وضمانات أمنية دولية ومحلية قادرة على تحويل التهدئة إلى وقف إطلاق نار مستدام، ستبقى عودة النازحين مجرد “مبادرات فردية” محدودة الأثر. ويظل الاختبار الحقيقي للدولة اللبنانية هو القدرة على الانتقال من “العودة المُعلّقة” إلى مسار تعافي فعلي يحمي كرامة النازحين ويعيد بناء حياتهم المدنية.



