من هنا وهناك

وليد جنبلاط وثبات المشروع

كتبت صحيفة “الأنباء” الالكترونية: ليس الهجوم الذي يتعرض له الرئيس وليد جنبلاط في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان حدثاً عابراً أو خلافاً سياسياً عادياً، بل هو جزء من معركة أوسع تتعلق بالمشروع الذي يمثله. فمنذ عقود، شكّل وليد جنبلاط امتداداً لنهج كمال جنبلاط في مواجهة مشاريع التقسيم والانعزال وتحالف الأقليات، والدفاع عن عروبة الموحّدين الدروز، وعن الخصوصية اللبنانية القائمة على الشراكة الوطنية والحوار. وهو نهج لم يرَ في أي قوة أو جهة عدواً إلا إسرائيل، التي أثبتت، عبر سياساتها وممارساتها، أنها لا تؤمن إلا بمنطق القوة ولا تريد سلاماً في المنطقة.

ومع كل محطة مفصلية، تعود هذه الثوابت لتصطدم بمشاريع التفتيت وبالمسعى الإسرائيلي إلى توظيف مكوّنات المنطقة في خدمة مشروعه، وهو مشروع لا يمكن أن يتقدم إلا بإسكات الأصوات الرافضة له وتشويه مواقفها.

ولهذه المشاريع أدواتها أيضاً، من شخصيات، إلى ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، مروراً بإعلاميين يتولون تشويه مواقف وليد جنبلاط وتحويلها إلى مادة للتحريض، في محاولة لضرب الخط السياسي الذي مثّله ولا يزال.

غير أن مراجعة مسيرة وليد جنبلاط تكشف أن مواقفه لم تكن يوماً انعطافة سياسية، بل امتداداً طبيعياً لثوابت لم تتبدل: حماية لبنان من الانقسام، وصون الهوية العربية للموحّدين الدروز، ورفض استثمار الانقسامات الداخلية خدمةً للمشروع الإسرائيلي القائم على تفتيت المنطقة وإضعاف دولها. فما تريده إسرائيل، كما يورد وليد جنبلاط في مذكراته، هو محيط عربي ضعيف ومفكك، وفي مقدمته لبنان وسوريا، بما يضمن تفوقها ويكرّس مشروعها التوسعي.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تحاول إسرائيل التعامل مع الموحّدين الدروز على أنهم قومية منفصلة عن أوطانها، لا مكوّناً أصيلاً من مكوّنات دولها. وتعمل، عبر أدواتها ومن يروّج لروايتها، على تمرير سرديات تستهدف سلخ الدروز عن انتمائهم الوطني والعربي، من خلال خطاب يصوّرهم شعباً عابراً للحدود، لا طائفة متجذّرة في أوطانها. فيما يؤكد وليد جنبلاط، انطلاقاً من ثوابته وتاريخ بني معروف، أنّ انتماءهم الأول هو لأوطانهم، لا لأي مشروع عابر للحدود.

مجلس النواب:

وفي المجلس النيابي، برز في اليومين الماضيين إقرار مجموعة من القوانين ذات الطابع الاجتماعي والإداري، وفي مقدمها اقتراح القانون المقدم باسم “اللقاء الديمقراطي” عبر رئيس لجنة الصحة النيابية النائب بلال عبدالله، والقاضي بإعفاء المتقاعدين المضمونين من رسم الاشتراك الشهري في الضمان الاجتماعي، في خطوة تؤكد استمرار “اللقاء الديمقراطي” في تبني التشريعات التي تخفف الأعباء عن المواطنين وتحمي الفئات الأكثر حاجة. كذلك، أقر المجلس النيابي اقتراح “اللقاء الديمقراطي” الرامي إلى تعزيز صندوق تقاعد نقابة الممرضات والممرضين.

كما شهد المجلس إقرار تعديلات تتصل بالدفاع المدني والأطباء والصيادلة، ولكنّه فشل في حسم البنود الحساسة، عقب تحوّل فقدان النصاب، بفعل مغادرة أعضاء كتلة “الجمهورية القوية” إلى أداة سياسية أسقطت قوانين العفو العام، وإلغاء عقوبة الإعدام، والإعلام.

وفي موازاة العمل التشريعي، سجّل “اللقاء الديمقراطي” والحزب التقدمي الاشتراكي موقفاً مبدئياً برفض تعديل قانون تنظيم الجامعة اللبنانية بما يسمح لرئيس الجامعة بتولي ولاية ثانية متتالية. فالقضية، بالنسبة إلى “التقدمي”، ليست مرتبطة بالأشخاص، بل بالدفاع عن مبدأ تداول المسؤوليات واحترام القانون الذي ساهم في إقراره عام 2009، ورفض فتح الباب أمام تعديلات ظرفية تمس استقلالية الجامعة الوطنية، التي تبقى إحدى ركائز الدولة ومؤسساتها.

ميدانياً:

أما في الجنوب، فتتسارع التطورات عشية الاجتماع العسكري الثلاثي الافتراضي برعاية أميركية، والمخصص لوضع اللمسات التنفيذية الأولى على آلية “المناطق التجريبية” التي جرى التوافق عليها في مفاوضات روما. ويعوّل لبنان على أن يشكل هذا الاجتماع بداية عملية لجدولة الانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من الأراضي المحتلة، وتمكين الجيش اللبناني من الانتشار الكامل، بالتوازي مع تثبيت وقف إطلاق النار.

غير أن الوقائع الميدانية لا تعكس حتى الآن مناخاً إيجابياً. فقد واصل الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية وقصفه المدفعي وعمليات التفجير والتوغل في عدد من بلدات الجنوب، من النبطية وبنت جبيل ومرجعيون إلى صور، فيما كثف الجيش اللبناني انتشاره عبر الدوريات والحواجز ونقاط المراقبة في إطار تثبيت حضوره الميداني. وبينما تؤكد الدولة اللبنانية أن أي ترتيبات يجب أن تنتهي بانسحاب الاحتلال كاملاً، يواصل العدو الإسرائيلي التلويح بالإبقاء على قواته داخل ما يسميه “المناطق الأمنية”، فيما يرفض “حزب الله” أي صيغة يعتبرها تكريساً للاحتلال أو انتقاصاً من السيادة اللبنانية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية مع اقتراب زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه المرتقب بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالتحضيرات الجارية بين بعبدا وواشنطن تشير إلى أن ملف الجنوب سيكون في صدارة المباحثات، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية، ودعم الجيش اللبناني، ومستقبل العلاقات اللبنانية – الأميركية. ويأمل لبنان الرسمي أن تشكل الزيارة فرصة للحصول على ضمانات أميركية تضغط باتجاه الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتؤمن دعماً دولياً لاستقرار البلاد في مرحلة بالغة الدقة.

بين سوريا والعراق ولبنان:

وفي تطور إقليمي بالغ الخطورة، أعلنت السلطات السورية إحباط عملية تهريب شحنة ضخمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية، قالت إنها كانت في طريقها من العراق عبر الأراضي السورية باتجاه حزب الله في لبنان. ولا تكمن أهمية الحادثة في حجم الأسلحة المضبوطة فحسب، بل في الرسالة السياسية التي حملها بيان وزارة الداخلية السورية، والذي عكس توجهاً واضحاً لدى دمشق الجديدة نحو ضبط الحدود ومنع استخدام الأراضي السورية ممراً للسلاح، لاسيما وأنّ الأسلحة كانت مهرّبة ضمن صهريج نفط متوجّه إلى مرفأ بانياس، فيما ثمة ١٠٠ الصهاريج المماثلة التي تعبر يومياً منذ إقفال مضيق هرمز.

وفي المقابل، فتحت بغداد تحقيقاً واسعاً في كيفية عبور الشحنة من الأراضي العراقية، في خطوة تعكس حساسية الملف وتداعياته الإقليمية.

إقليمياً:

أما على مستوى الإقليم، فلا تزال المواجهة الأميركية – الإيرانية مرشحة لمزيد من التصعيد، مع استمرار الضربات العسكرية المتبادلة وارتفاع مستوى التهديدات. وتكتسب المعلومات التي تحدثت عن استعداد الحوثيين، بطلب إيراني، لفتح جبهة باب المندب أهمية استثنائية، لأنها تعني انتقال المواجهة المحتملة من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، بما يهدد اثنين من أهم الممرات البحرية العالمية في آن واحد، ويضع حركة التجارة والطاقة أمام مخاطر غير مسبوقة.

ومع ذلك، فإن المشهد لا يخلو من مؤشرات سياسية مختلفة. فقد أعلن البيت الأبيض أن طهران لا تزال تواصل اتصالاتها مع الولايات المتحدة، وأنها ترغب في العودة إلى المفاوضات والتوصل إلى اتفاق نهائي، رغم استمرار العمليات العسكرية. ويؤشر ذلك إلى أن التصعيد العسكري لا يلغي وجود قنوات تواصل سياسية، بل ربما يشكل وسيلة لتحسين شروط التفاوض قبل العودة إلى طاولة الحوار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى