أمن وقضاء

“العفو العام” إلى نقطة الصفر وبرّي حيّد السياسة

كتب اسكندر خشاشو في” النهار”: نجح رئيس مجلس النواب نبيه بري في تحقيق الهدف الأساسي الذي رسمه للجلسة التشريعية، وهو منعها من التحوّل إلى مواجهة سياسية حول السلاح، واتفاق الإطار، والضغوط الدولية، والتطوّرات الأمنية.

فعلى الرغم من محاولات بعض النواب إثارة هذه الملفات، بقيت الجلسة محصورة بجدول الأعمال، ولم تتحوّل إلى ساحة اشتباك سياسي كالذي كان يخشاه الجميع. لكن في المقابل، كشفت الجلسة مفارقة لافتة. فإن كان المجلس نجح في تحييد السياسة، فإنه وقع في ما يمكن وصفه بـ”الشعبوية التشريعية”، إذ أقرّ سلسلة قوانين ذات انعكاسات مالية مباشرة، من تثبيت أعداد كبيرة من المتعاقدين، وإدخال فئات جديدة إلى شرعة التقاعد، مروراً بإقرار زيادات مالية، من دون أن تقدّم الحكومة أيّ ضمانة واضحة بأنها تملك الموارد الكافية لتمويل هذه الالتزامات. وفي ظلّ الأزمة المالية التي لا يزال لبنان يعيشها، يثير هذا المسار مخاوف من العودة إلى النهج الذي سبق الانهيار المالي، عندما كانت الدولة ترتب نفقات دائمة من دون تأمين مصادر تمويلها.. أما غالبية القوانين التي أُقرت، فبقيت ضمن الإطار الإداري والإجرائي، فيما بقيت الملفات الأكثر حساسية حتى نهاية الجلسة، وفي مقدمها قانون الإعلام، وقانون تعديل أحكام الإعدام، وقانون العفو العام.

ولم يكن ذلك تفصيلاً، إذ يدرك بري مسبقاً أن هذه المشاريع تحمل أكبر قدر من الانقسام السياسي والنيابي، لذلك وضعها في ذيل جدول الأعمال، وحرص قبل الوصول إليها على تلاوة محضر الجلسة، بحيث تصبح القوانين التي أُقرت نافذة حتى لو تعذر استكمال البحث في البنود الباقية. وعندما وصل المجلس إلى قانون العفو، انفجر الخلاف. لكن تصوير ما جرى على أنه مواجهة بين “القوات” و”النواب السنة”، أو أن “القوات” أسقطت النصاب لأنها لا تريد قانون العفو، لا يعكس حقيقة المشهد داخل البرلمان. صحيح أن عدداً من النواب السنة الخمسة الذين كانوا يقودون الاتصالات، وهم وليد البعريني، وجهاد الصمد، ونبيل بدر، وعماد الحوت، وبلال الحشيمي، حاولوا الإيحاء بأن انسحاب “القوات اللبنانية” هو الذي أطاح بإقرار القانون، إلا أن جوهر الأزمة كان في مكان آخر.فالانقسام الحقيقي كان داخل التمثيل السني نفسه، لا بين “القوات” وجميع ممثلي الطائفة السنية.

فالفريق الأول، الذي شارك في الاتصالات مع نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، كان يميل إلى السير بصيغة القانون كما أصبحت بعد المفاوضات الأخيرة، مع التركيز على حذف كلمة “المشدّدة” من عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، بما يسمح للمحكومين بالاستفادة من خفض سنوات العقوبة، ولا سيما بعد التفاهم على مشروع تعديل قانون الإعدام.

في المقابل، تمسّك فريق آخر من النواب السنة بإدخال تعديلات أوسع على مشروع العفو نفسه، معتبرين أن الصيغة المطروحة لا تزال تستثني أعداداً كبيرة من الموقوفين والمحكومين، وطالبوا بتوسيع الفئات المستفيدة، بما يشمل ملفات يعتبرون أنها لا تزال خارج إطار العفو، وفي مقدمتها ملف الشيخ أحمد الأسير وبعض الموقوفين الإسلاميين.

ومن هنا، فإن الخلاف لم يكن على مبدأ العفو، بل على من يشمله العفو، وهي العقدة التي بقيت من دون حلّ، وأعادت القانون إلى نقطة الصفر. وبذلك، يمكن القول إن جلسة أمس لم تُسقط قانون العفو، بل أعادت فتح النقاش حوله بالكامل. فكل الملاحظات والاعتراضات التي ظهرت ستعود إلى طاولة البحث قبل أي جلسة مقبلة، لأن أياً من الأطراف لم يعد يعتبر أن الصيغة الحالية قابلة للمرور.

أما البنود التي لم تُناقش، فلا تسقط حكماً، بل يمكن للرئيس بري إعادة إدراجها على جدول أعمال أي جلسة تشريعية لاحقة. إلا أن ما جرى يعني عملياً أن قانون العفو، وقانون الإعلام، وسائر المشاريع الخلافية، ستحتاج إلى جولة جديدة من المفاوضات والتسويات قبل أن تعود إلى الهيئة العامة، وهو ما يؤكد مرة جديدة أن المجلس النيابي لا يحسم الملفات الخلافية بالتصويت، بل بالتوافق السياسي الذي يسبق انعقاد الجلسات..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى