فيليب سالم… حين يصبح الطب صلاةً ولبنان رسالة


فيليب سالم… حين يصبح الطب صلاةً ولبنان رسالة
بقلم الكاتبة إكرام زين الدين
من قرية بطرام الصغيرة التي تتوسّد جبال لبنان، خرج البروفيسور فيليب سالم يحمل في حقيبته دفاتر العلم، وفي قلبه إرثٌ لا تصنعه الجامعات، المحبة ، لم يكن سفره إلى أميركا مجرد رحلة جغرافية، بل عبورًا من عالمٍ إلى عالم، من دفء القرية إلى برودة المدينة الكبرى، ومن لغة الأم إلى لغة العلم .
وقف أمام أبواب مركزٍ عالمي لعلاج السرطان، تاركًا خلفه عائلة لم تفهم بعد أن ابنها ذاهبٌ ليصنع من الألم أملًا، ومن المرض حكاية شفاء هناك، في عيادات باردة اعتاد أهلها أن يقولوا الحقيقة عارية دون رداء من رحمة، كان يقيناً أن المريض ليس ملفًا طبيًا، بل إنسانٌ خائف يبحث عمّن يمسك يده في العتمة.
من تلك اللحظة، صار الطب عنده صلاة ، كل لمسة على جسد عليل تحمل عنده رهبة اللقاء بالمقدّس، وكل كلمة طمأنينة يقولها لمريضه توازي في ميزانه جرعة دواء.
اختار أن يقتسم وقته بين المخبر والقلب، بين المجهر والدمعة، فصار علمه لا يكتمل إلا حين يُشفى الجسد والروح معًا.
عقودٌ من العمر أمضاها بين المرضى، لم تُثقل كتفيه، بل زادته انحناءً نحو الإنسان ، وتعلّم العالم منه أن أرقى ما في الطب ليس الجرعة الصحيحة، بل الكلمة الصحيحة في اللحظة الصحيحة ،وتعلّم هو من كل مريضٍ عانقه في لحظة ضعفه، أن الشفاء أحيانًا يبدأ من الحضن قبل أن يبدأ من الحقنة.
بقي لبنان في قلبه، هويةً يحملها في حقيبة سفره أينما حلّ، سلاحًا من محبة يقاوم به غربة المكان وبرود الآلة ، وحين لم يعد المشرط وحده كافيًا ليقول ما في داخله، حمل القلم ، فكتب في صحيفة “النهار” افتتاحيات صارت شاهدة على رجلٍ يرى في وطنه أكثر من جغرافيا، ثم جمع صوته المتناثر بين المقالات في كتاب “رسالة لبنان ومعناه”، تأريخًا لقضية لم يكفّ يومًا عن حملها، وسبيلًا يقترحه لخروج بلاده من محنتها.
ولأن فكره تجاوز صاحبه، تناوله باحثون ومفكرون بالدرس، فوُلد كتاب “القومية اللبنانية في فكر فيليب سالم”، محاولةً لفهم كيف يتصالح مبضع الجراح مع قلم المفكّر في رجلٍ واحد ، وفي أحدث ما أصدرَ ،كتاب” لبنان والحياد الفاعل” ليجمع رؤيته السياسية لمستقبل وطن أنهكته التحوّلات، مؤكدًا أنه سيظل يكتب لبنان كما يكتب المؤمن صلاته، بيقين لا يتزعزع.
هكذا صار البروفيسور فيليب سالم اسمًا يتردّد في المؤتمرات العالمية، لكنه ظلّ في جوهره ذلك الفتى الذي حمل لبنان في قلبه، وآمن أن يد الطبيب حين تلمس المريض، إنما تلمس شيئًا من يد الله.


