من هنا وهناك

الجيش يسحب الإعمار من مجلس الجنوب… معركة نفوذ تحت الركام

لا تدور المعركة في جنوب لبنان على السلاح والأرض وحدهما. تحت ركام القرى المدمّرة، بدأت مواجهة أخرى أقل صخباً، لكنها لا تقل أهمية، عنوانها: من يمسك بإعادة الإعمار، ومن يتحول إلى المرجعية التي يلجأ إليها أبناء الجنوب بعد انتهاء القصف؟

كشف تقرير لصحيفة “الغارديان” البريطانية أن الجيش اللبناني يتولى إصلاح الطرق والبنى التحتية في المناطق التجريبية التي انتقلت إليه، فيما لا يُسمح لمجلس الجنوب بإدارة عملية الإعمار كما كان يحصل بعد الحروب السابقة. وبهذا، تتجاوز مهمة الجيش الانتشار الأمني وضبط المنطقة، لتصل إلى مساحة كانت طوال عقود جزءاً من نفوذ حركة أمل وحزب الله وشبكة الخدمات المرتبطة بهما.

التحول ليس تقنياً ولا يمكن اختزاله بتوزيع صلاحيات بين مؤسسات الدولة. فمجلس الجنوب لم يكن مجرد جهة تنفذ مشاريع وتدفع تعويضات، بل شكّل إحدى الأدوات الأساسية لإدارة العلاقة بين الدولة وبيئة الجنوب. ومن يقرر اليوم من يعيد فتح الطريق، ومن يرمم المدرسة، ومن يعوض على أصحاب المنازل، لا يقدم خدمة عامة فحسب، بل يبني حضوراً سياسياً ويحدد الجهة التي سيشعر المواطن بأنها وقفت إلى جانبه.

بحسب التقرير، تريد الدولة أن تظهر مباشرة داخل المناطق المدمرة، وأن يتجه السكان إلى مؤسساتها بدلاً من حزب الله. كما يتيح إشراف الجيش على أعمال البنية التحتية التأكد من عدم استخدام مشاريع الإعمار لإعادة بناء منشآت عسكرية، بما ينسجم مع الالتزامات المرتبطة بالمناطق التجريبية والاتفاقات الأمنية الجاري العمل عليها.

لكن هذه المقاربة تفتح أسئلة لا تزال بلا أجوبة. من اتخذ قرار إبعاد مجلس الجنوب؟ وهل صدر القرار عن مجلس الوزراء أم جاء ضمن تفاهمات أمنية وسياسية لم تُعلن؟ ومن يمول المشاريع التي ينفذها الجيش؟ وهل تحولت مساعدات الإعمار إلى أداة لفرض نموذج سياسي جديد في الجنوب قبل تعميمه على مناطق أخرى؟

المفارقة أن الدولة تحاول تثبيت حضورها في وقت تواصل فيه إسرائيل عمليات الهدم والغارات. وقد أشار تقرير “الغارديان” إلى أن القوات الإسرائيلية فجرت مبنى بلدياً ومدرسة رسمية ومستوصفاً في زوطر الشرقية على مرأى من إحدى المناطق التجريبية. وكل ضربة من هذا النوع تقوض المشروع الذي تحاول الدولة بناءه، لأنها تظهر الجيش مسؤولاً عن الإعمار من دون أن يكون قادراً على وقف التدمير.

كذلك، لا تملك الخزينة اللبنانية القدرة المالية على منافسة شبكة حزب الله الاجتماعية. فالحزب يقدم مساعدات للسكن والتعليم والصحة ويربط بيئته بمنظومة خدمات متراكمة منذ سنوات، بينما تدخل الدولة إلى المناطق المنكوبة بإمكانات محدودة، وسط غياب خطة إعمار شاملة وتأخر التمويل الخارجي.

من هنا، تبدو المناطق التجريبية مختبراً يتجاوز حصر السلاح. ما يجري هو محاولة لنقل مركز الثقل الخدماتي والسياسي من المؤسسات المحسوبة على الثنائي الشيعي إلى الجيش والدولة. وإذا نجح النموذج، فقد يصبح أساساً لتوزيع أموال الإعمار في مختلف قرى الجنوب. أما إذا فشل، فإن الحزب سيستخدم عجز الدولة واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية لإثبات أن مؤسساته لا تزال أكثر قدرة على حماية بيئته ورعايتها.

المواجهة المقبلة، إذاً، لن تكون فقط على من يحمل السلاح، بل على من يحمل مفتاح المنزل المرمم، ومن يدفع التعويض، ومن يعيد فتح الطريق. وتحت الركام، بدأت معركة تحديد صاحب النفوذ في جنوب اليوم التالي.

المصدر: ليبانون ديبايت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى