تناغم الأُذُن والعين، سيمفونية ومشهدية د.جمال أبو الحسن


بقلم: الكاتبة إكرام زين الدين
ثمة أناس لا تُقاس سيرتهم بعدد السنين التي عاشوها، بل بعدد المرات التي أصغوا فيها إلى أنفسهم حين همستْ لهم بأن يخرجوا عن المألوف.
الدكتور جمال أبو الحسن واحد من هؤلاء، اختار أن يكون النغم لغته الأولى، حين كانت الجبال اللبنانية تحيطه بصمتها، وكان الراديو نافذته الوحيدة على عالمٍ يغنّي فيه فريد الأطرش ام كلثوم وفيروز ووديع الصافي.
لم تكن الموسيقى في بيته إرثاً موروثاً، بل قدَراً اختاره بنفسه . حين لامست أذنه أسطوانة تشايكوفسكي الأولى، تغيّر مسار حياته إلى الأبد؛ فابتاع غيتاراً، وتعلّم وحيداً، وقصد معهداً في الخفاء لأن الموسيقى، في تلك الأيام وذلك المكان، كانت “عيباً” يُلهي عن الجدّ والدرس. لكن الشغف لا يَقنع بالمنطق، ولا يهدأ إلا حين يُروى. وهكذا، وفي السادسة عشرة من عمره، اختار حريته سافر إلى القاهرة رغماً عن أهله، تاركاً خلفه وطناً كان على موعد مع حربٍ أهلية، ليبدأ رحلته الحقيقية مع الغيتار والتأليف.
ومن مصر إلى فيينا، تلك المدينة التي لم يكن يتوقع أن تواجهه بحضارةٍ موسيقية بهذا العمق، حمل جمال أبو الحسن حلمه ليُتوّج بأعلى الشهادات في التأليف الموسيقي. هناك لم يكتفِ بالنوتة وحدها، بل أضاف إليها عيناً ترسم، فدرس “رسم الموسيقى”، ذلك العِلم الذي يُجسّد ذبذبات النغمة أشكالاً هندسية تتراقص أمام الناظرين. كان بذلك من الأوائل الذين آمنوا بأن الأذن والعين يمكن أن تتصالحا في مشهدٍ فني واحد، قبل أن يصبح ذلك تقليداً شائعاً في زمن الكمبيوتر والشاشات.
في هذا المزج بين السمع والبصر، بين الأوركسترا والإلكترون، بين الشرق وآلاته وأوروبا ومدارسها، صاغ
د .جمال أبو الحسن أسلوباً لم يشاركه فيه أحد في محيطنا العربي. لم يكن استخدامه للموسيقى الإلكترونية هروباً من الإحساس، بل توسيعاً لحدود التعبير، فالآلة، بين يديه، لا تُلغي الروح، بل تمنحها امتداداً جديداً.
ولعل أعظم شاهدٍ على ذلك عمله “السيمفونية الملونة”، الذي حمل بين طياته افتتاحية عن حقوق الإنسان، وصاغ فيها غضبه من سلامٍ مزعوم لا وجود له، وأمله بعالمٍ تُحترم فيه كرامة الإنسان والمرأة والطفل.
ومنذ عام 1995، وقف د. جمال أبوالحسن على منصة التدريس أستاذًا للتأليف الموسيقي وتكنولوجيا الموسيقى الحاسوبية في رحاب الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA) التابعة لجامعة البلمند، ينقل إلى أجيال من الطلاب خلاصة تجربته الفنية، ويزرع في نفوسهم شغف الجمع بين أصالة الموسيقى وابتكارات العصر.”
ولأن الجذور لا تُنسى ،ظلّ قلب جمال أبو الحسن معلّقاً بزكي ناصيف، ذلك الملحّن الذي يرى فيه صدقاً نادراً وتعبيراً شفافاً عن الطبيعة اللبنانية، فاعاد كتابة إحدى مقطوعاته بالأسلوب الإلكتروني، وسمعها زكي ناصيف بنفسه، كانت فرحة الاثنين واحدة، فرحة من ابتكر، وفرحة من رأى إرثه يتجدد بلغةٍ جديدة تصل إلى العالم
وحين اعاد توزيع المقدمة الموسيقية لأغنية لحن الخلود التي وشمها فريد الأطرش في الذاكرة العربية منذ عام 1952 لم تكن بحثاً عن الحداثة لذاتها، بل إيماناً بأن الألحان الخالدة تستحق أن تُعاد كتابتها بلغة كل عصر، كي تصل إلى آذانٍ جديدة لم تسمع فريد الأطرش ، فتكتشفه من بوابةٍ إلكترونية معاصرة، ثم تعود إليه في أصله الأول بشغفٍ أكبر.
وعزفه مع الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية ومع الاوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية يبقى د. جمال نموذجاً لمن آمن بأن الموسيقى ليست ترفاً، بل طريقاً نحو إنسانٍ أرقّ وأجمل.
تحية من منتدى سيدات المتن الأعلى، لمن جعل من النغمة لوناً، ومن اللون صوتاً، ومن الاثنين معاً… إنساناً لا يشبه إلا نفسه.”



