أخبار محلية

48 عاماً على تغييب الصدر: خيوط جديدة وأبواب ليبية مُغلقة

كتبت صحيفة “الأخبار”: بعد 48 عاماً على تغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، لا تزال أسرار القضية خلف الأبواب الليبية. وقد أدّى قرار إخلاء سبيل هنيبعل معمر القذافي، بعد نحو عشر سنوات على توقيفه في لبنان، إلى إغلاق أحد الأبواب التي عُلّقت عليها آمال في كشف مصير الإمام ورفيقيه، فيما لم يحمل ملف التحقيق الذي سلّمته ليبيا للبنان أي جديد، وفق تأكيد مقرّر لجنة المتابعة الرسمية لقضية الصدر، القاضي حسن الشامي.

وفيما تشير معلومات إلى ظهور وثيقة أخيراً تكشف، للمرة الأولى، أن الإمام الصدر احتُجز، في إحدى مراحل اختفائه، في سجن خاص تابع لعبدالله السنوسي، أحد أبرز أركان النظام الليبي السابق، والموجود في السجن في ليبيا منذ عام 2012، إلا أن الجانب اللبناني لم يجد، في الملف الذي تسلّمه، ما يدل على إجراء تحقيق كافٍ مع السنوسي بشأن هذه المعلومة. وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة، وفق الشامي، لأن السنوسي موجود منذ أيلول 2012 في سجن ليبي، فيما لا يجد الجانب اللبناني، في الملف الذي تسلّمه من السلطات الليبية، ما يكفي من التحقيقات معه حول قضية الإمام ورفيقيه.

وكانت اللجنة التقت السنوسي في موريتانيا قبل يومين من تسليمه لليبيا، في جلسة استمرّت نحو ست ساعات. وأكّد الشامي أن السنوسي أنكر خلالها كل شيء، وزعم أن لا علاقة له بالقضية. لكنّ السؤال بالنسبة إلى اللجنة يبدأ مما جرى بعد تسليمه لليبيا. ويسأل الشامي: «أين التحقيق مع عبدالله السنوسي؟ لم نجده في الملف».

وكان المحقّق العدلي في القضية، القاضي زاهر حمادة، قرّر في 17 تشرين الأول 2025، إخلاء سبيل هنيبعل القذافي مقابل كفالة مالية بلغت 11 مليون دولار، مع منعه من السفر. وفي 6 تشرين الثاني، خُفّضت الكفالة إلى 900 ألف دولار، قبل أن تُدفع في 10 تشرين الثاني، ليُطلق سراح القذافي بعد نحو عشر سنوات على توقيفه في لبنان، بالتزامن مع إلغاء قرار منعه من السفر. وبعد أيام من إخلاء سبيله، تسلّم لبنان من السلطات الليبية ملف التحقيق في قضية إخفاء الإمام ورفيقيه.

غير أن الشامي أكّد لـ«الأخبار» أن «ما وصل لا يحمل جديداً، وقد سبق الاطّلاع على نحو 95% من محتويات الملف بين عامَي 2012 و2016». كما أن الملف «غير مكتمل، وهناك جزء كبير من المعلومات والوثائق لا يزال لدى السلطات الليبية»، التي اتهمها بـ«عدم الوفاء بالتزاماتها الواردة في مذكّرة التفاهم الموقّعة عام 2014، وفي اللقاء الذي عُقد في ليبيا عام 2016، وكذلك بالتعهدات التي قطعتها في بيروت خلال خريف 2025». وأشار إلى أنه منذ مطلع هذا العام، «لم تلقَ اللجنة أي تجاوب مع اتصالاتها بالجانب الليبي، رغم توقيع مذكّرة جديدة في بيروت قبل نحو شهرين من نهاية 2025». ولفت إلى أن اجتماعاً عُقد في روما، في 29 كانون الأول 2025، مع المدّعي العام المُكلّف بالقضية، لم يفضِ إلى معلومات جديدة، و«لم نسمع سوى وعود أيضاً، إذ كان يُفترض أن نتلقّى المعلومات المطلوبة خلال 15 يوماً».

هل الإمام حي؟

في مقابل الدعوات إلى حسم مصير الإمام الصدر، يتمسّك الشامي بالقاعدة التي تعتمدها اللجنة منذ سنوات: لا يمكن، قانونياً وإنسانياً، اعتبار الإمام مُتوفّى ما لم يثبت ذلك بدليل. ويوضح أن الأدلة المتوافرة لدى اللجنة تشير إلى أن الإمام تنقّل بين عدد من السجون الليبية، أو ثلاثة منها على الأقل، وهي جنزور وسبها وما يُعرف بـ«مكتب الناصر» (سجن سياسي سري في العاصمة طرابلس). وبحسب الشامي، تفيد هذه المعطيات بأن الإمام بقي مُحتجزاً لفترات طويلة، ربما حتى عام 2000 على الأقل، ما يبقي الاحتمالات مفتوحة أمام نقله لاحقاً إلى سجون أو أماكن أخرى لم تحدّدها التحقيقات حتى الآن.

ولفت إلى أن اللجنة لا تستند إلى هذه المعطيات وحدها. فالمسؤولون الليبيون الحاليون والسابقون الذين التقاهم، إلى جانب ما ورد في أوراق التحقيقات الإيطالية واللبنانية، لم يقدّموا رواية متكاملة تثبت تصفية الإمام أو اغتياله، فـ«الروايات التي قُدّمت بقيت مُجتزأة ومتضاربة، ووصل الأمر إلى أن قدّم الشخص نفسه أكثر من رواية حول الوقائع نفسها».

وفي ما يتعلق بالفحوص الطبية، أجرت لجنة المتابعة عشرات فحوص الـDNA منذ انهيار النظام الليبي وحتى منتصف آب 2026، من دون أن تسفر عن أي نتيجة مطابقة. ويشدّد الشامي على أن إجراء هذه الفحوص بعيداً من الإعلام يأتي في إطار استكمال التحقيق وجمع الأدلة، ولا يعني وجود نتائج يجري إخفاؤها. كما يرفض اعتبار عدم العثور على تطابق في هذه الفحوص دليلاً بحدّ ذاته على الوفاة، مؤكداً أن اللجنة تنطلق من القواعد القانونية والإنسانية المتعلّقة بالإخفاء القسري، والتي تفترض استمرار حياة المخطوف إلى أن يثبت العكس.

ماذا قال هنيبعل؟

يعيد الشامي التذكير بالمعلومات التي أدلى بها هنيبعل القذافي خلال التحقيق الأول معه في كانون الأول 2015. فبحسب محضر التحقيق، تحدّث القذافي عن احتجاز الإمام في جنزور، وهي معلومة يقول الشامي إنها تقاطعت مع معطيات كانت اللجنة قد حصلت عليها من مصدرين مختلفين عامي 2012 و2014. وبحسب إفادة القذافي، بقي الإمام في جنزور بين عامي 1978 و1982 تقريباً، قبل نقله إلى سجن سياسي سرّي داخل قاعدة جوية عسكرية في سبها، ثم إلى «مكتب الناصر» في طرابلس، مع ورود معلومة عن إعادته لاحقاً إلى سبها.

وتضمّنت إفادة هنيبعل أيضاً معلومات عن شخص انتحل شخصية الإمام، وارتدى ثيابه وحمل جواز سفره إلى روما، إضافة إلى معطيات تتعلق بكيفية تعاطي معمر القذافي مع القضية، وبالمعتصم القذافي، الذي كان يرأس جهاز الأمن القومي، وسيف الإسلام القذافي. ويؤكّد الشامي أن هذه المعلومات «موثّقة في المحضر» وموقّع عليها، وبعضها تقاطع مع معطيات سابقة كانت في حوزة اللجنة، فيما شكّل بعضها الآخر معلومات جديدة استُخدمت لاستكمال التحقيقات.

ورغم المعلومات التي أدلى بها هنيبعل في بداية توقيفه، يقرّ الشامي بأنه لم يعد يعوّل على إمكانية الحصول منه على معلومات إضافية. فقد أُوقف القذافي، وفق توصيف المحقّق العدلي، بجرم كتم معلومات والتدخل لاحقاً في جرم الخطف المستمر، قبل أن ينتهي توقيفه بعد نحو عشر سنوات. وبحسب الشامي، توقّف هنيبعل عن الإدلاء بإفادات جديدة ورفض الكلام بعد الاستجواب الثاني في بداية توقيفه، ولذلك لم تعد اللجنة تتوقّع أن تحصل منه على جديد في حال استجوابه مجدداً.

لكن أثر إخلاء سبيل القذافي لم يقتصر على إغلاق هذا المسار، إذ يقول الشامي إن الإفراج عن هنيبعل بدّد أيضاً وعوداً تلقّاها الجانب اللبناني من وسطاء ليبيين وغير ليبيين، موضحاً أن «الكثير من الوسطاء الذين كانوا يعدون بالكثير، تبخّرت وعودهم كلياً عندما أُخلي سبيل هنيبعل». وأشار إلى أن الجانب الليبي الرسمي، مُمثّلاً بحكومة عبد الحميد الدبيبة ومكتب النائب العام، كان قد أطلق وعوداً ووقّع التزاماً خطياً جديداً، قبل أن ينكث به.

13 متهماً ومذكّرات لا تُنفّذ

في لبنان، لا يضع الشامي المشكلة في مسار التحقيق نفسه، بقدر ما يربطها بحدود قدرة القضاء اللبناني على تنفيذ إجراءاته خارج الأراضي اللبنانية. فالمحقّق العدلي يلاحق حالياً، غيابياً، 13 متهماً أُضيفوا إلى الملف منذ عام 2013 وما بعده، فيما كان هنيبعل القذافي الموقوف الوحيد حضورياً، قبل إخلاء سبيله. ويصطدم المسار القضائي اللبناني«بعدم تنفيذ السلطات الليبية مذكّرات التبليغ، فضلاً عن عدم تعميم مذكّرات التوقيف عبر الإنتربول»، لافتاً إلى أن لبنان أرسل مذكّرات إلى الإنتربول بحق عدد من المطلوبين، بينهم عبد السلام جلود وعبدالله السنوسي وغيرهما، إلا أن المنظّمة لم تتعاون مع الجانب اللبناني حتى الآن، وهو ما يستغربه الشامي ويعدّه مخالفاً لنظامها.

وعلى المستوى السياسي اللبناني، يشير الشامي إلى اهتمام رئيس الجمهورية جوزيف عون بالقضية، وإلى لقاء جمعه باللجنة وعائلة الصدر، أعقبه تواصل بشأن مطالب محدّدة يجري العمل عليها. كما أكّد استمرار رعاية رئيس مجلس النواب نبيه بري للقضية. «إلا أن ذلك لا يغني عن حاجة لبنان إلى رفع مستوى الضغط على السلطات الليبية، سواء عبر علاقاته الدولية أو من خلال الدول المؤثّرة في ليبيا، ولا سيما دول الجوار وبعض الدول الأوروبية النافذة، لدفعها إلى التعاون في التحقيق».

وبعد 48 عاماً، لا تبدو عقدة التحقيق في غياب الخيوط بقدر ما تكمن في صعوبة الوصول إليها: وثائق لم تُسلّم، وموقوفون لم يُستجوبوا بما يكفي، ومذكّرات لم تُنفّذ، فيما لا يزال لبنان ينتظر من ليبيا تعاوناً تعهّدت به مراراً، من دون أن يتحوّل حتى الآن إلى مسار تحقيق كامل.

قضية مخطوف لا «كشف مصير»

يتحفّظ القاضي حسن الشامي على استخدام عبارة «كشف مصير» الإمام الصدر، إذ إن توصيف القضية وفق قواعد الإخفاء القسري يقتضي التعامل مع الإمام بوصفه مخطوفاً تجب المطالبة بتحريره، لا متوفى يُبحث عن مصيره. ويرى أن استخدام عبارة «كشف المصير» ينطوي، مُسبقاً، على افتراض الوفاة، فيما لا تزال المعطيات المتوافرة لدى اللجنة تضع القضية في إطار الخطف والإخفاء القسري. ومن هنا، فإن المطالبة لا ينبغي أن تبدأ من سؤال «أين جثمانه؟»، بل من سؤال: «أين الإمام، ومن يحتجزه، وما الذي جرى له؟». ويستشهد الشامي في هذا السياق بحالة وزير إيراني فُقد خلال الحرب الإيرانية – العراقية، قبل أن يتبيّن أنه كان محتجزاً لدى القوات العراقية، وأن الصليب الأحمر كان يزوره في المعتقل، قبل أن تُسلّم جثته لاحقاً للجانب الإيراني، مشدّداً على أن غياب الشخص لعقود، مهما طال، لا يبرّر افتراض وفاته ما لم تتوافر أدلة تثبتها.

ليبيا: وعود ثم انقطاع

تكمن العقدة الأساسية منذ سقوط نظام معمر القذافي في تشرين الأول 2011 في غياب تعاون ليبي جدّي ومستمر، إذ لم يتجاوز التعاون خطوات محدودة، كانت تعقبها فترات طويلة من الصمت وانقطاع الاتصالات، في ظل تشابك المصالح العشائرية والسياسية في ليبيا، واستمرار التواصل بين شخصيات كانت جزءاً من النظام السابق وأقاربها أو حلفائها داخل المنظومة الحالية. وبالنسبة إلى لبنان، فإن ما يصله من الحكومات الليبية المتعاقبة ليس، بحسب توصيف الشامي، أكثر من «حلاوة طرف اللسان»: وعود بالتعاون، ومذكّرات تفاهم، ثم انقطاع للاتصالات لسنوات، قبل أن تأتي جهة أخرى لتعيد الدورة نفسها من جديد. ذلك أن أحداً لا يستطيع تجاوز حقيقة أن الجريمة وقعت في ليبيا، وأن مسرحها الأساسي، بالتالي، هو ليبيا نفسها. وهذا يعني أن أي اختراق جدّي في القضية يبقى مشروطاً بفتح ملفات التحقيق الليبية، وتمكين الجانب اللبناني من الوصول إلى الشهود والموقوفين والوثائق، لا الاكتفاء بتبادل الوعود والملفات الناقصة.

العراق: بابٌ آخر للتحقيق

كشف القاضي حسن الشامي أن لجنة المتابعة الرسمية لقضية الإمام الصدر زارت العراق في منتصف آب الجاري بعيداً من الأضواء، والتقت عدداً من كبار المسؤولين العراقيين، وبحثت معهم سبل التعاون وإمكان اضطلاع بغداد بدور في كشف ملابسات القضية ودعم التحقيق فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى