المئة دولار ما زالت مئة… ولكن ماذا بقي منها؟


المئة دولار ما زالت مئة… ولكن ماذا بقي منها؟
كيف تتآكل القدرة الشرائية رغم ثبات سعر الصرف؟
بقلم: أكرم حسيب زين الدين
مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية
24 أيلول 2026
المئة دولار ما زالت مئة. سعر صرفها لم يتحرك منذ أشهر، وثبت عند 89,700 ليرة، وهو السعر الذي تحتسب عليه الوزارات نفسها تسعيراتها. واللبناني الذي عاش سنوات يراقب الشاشة كل صباح، يحق له أن يتنفس. لكن السؤال انتقل من الشاشة إلى طاولة البيت: ماذا تشتري هذه المئة اليوم؟ لا كم تساوي بالليرة، بل كم تساوي من الحياة.
الجواب الرسمي أولًا. بين كانون الثاني وآب 2026، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي بنحو 11.4%، محسوبًا بتركيب التغيرات الشهرية لا بجمعها. المئة صارت تشتري ما كانت تشتريه 89.8 دولارًا في كانون الثاني. وهذا التحويل من مؤشر مقوّم بالليرة إلى قوة شرائية بالدولار لا يصح إلا لأن سعر الصرف لم يتحرك: ثبات الصرف هو ما يجعل المئة مقياسًا نظيفًا. رقم هادئ، يصلح لبيان رسمي. لكنه متوسط، والمتوسط هذه السنة يخدع بحساب صحيح. فالمئة لم تخسر عُشرها بالتساوي في كل مكان: خسرت القليل في مكان، والكثير في مكان آخر، والنصف في مكان ثالث. والأسرة التي يذهب جزء أكبر من إنفاقها إلى الطاقة لا تعيش الغلاء نفسه الذي تعيشه أسرة يذهب معظم إنفاقها إلى الغذاء.
لنرافقها إذن في يوم لبناني عادي.
على رف السوبرماركت، بقيت المئة شبه سليمة. سلة وزارة الاقتصاد الأسبوعية، ستون سلعة غذائية، صعدت كلفتها منذ مطلع السنة بما بين 3 و5% بحسب أسبوع القياس. الأرز والعدس والطحين لم تتحرك تقريبًا، أو تراجعت. لكن تحت هذا الهدوء جبهة واحدة مشتعلة: اللحم. كيلو البقر المستورد صعد نحو 40%، منذ كانون الثاني كما على مدى سنة كاملة، فالمئة التي كانت تشتري منه أكثر من 12 كيلوغرامًا صارت تشتري أقل من 9. الغلاء هذه السنة لم يطرق باب المطبخ كله، بل اختار الصحن الذي فيه لحم.
عند محطة الوقود، انشطرت المئة. صفيحة البنزين 95 أوكتان كانت بنحو 1.3 مليون ليرة في كانون الثاني، وتجاوزت 2.4 مليون في آب. المئة التي كانت تملأ 137 ليترًا صارت تملأ 73. لم يعد الفرق تفصيلًا في الفاتورة، بل مسافات أقل بالمبلغ نفسه. والمازوت صعد أكثر، بنحو 94%. آذار كان لحظة الانفجار، حين قفز مؤشر الوقود الرسمي 36.5% في شهر واحد مع الصدمة الإقليمية في أسواق الطاقة. وما تراجع منه في حزيران، عاد وتجاوز نفسه في الصيف.
ثم نصل إلى المكان الذي يعرفه كل لبناني بلا حاجة إلى جدول: اشتراك المولد. تسعيرة وزارة الطاقة للكيلوواط كانت 28,355 ليرة في كانون الثاني، وصارت 48,241 في آب. المئة كانت تشتري 316 كيلوواط، فصارت تشتري 186. وهذا بحسب التسعيرة الرسمية، وهي سقف كثيرًا ما يتحول في الواقع إلى حدّ أدنى.
وهنا يجب أن نسمّي الأشياء بأسمائها. ما يدفعه اللبناني لصاحب المولد ليس ضريبة، لأنه لا يدخل الخزينة. وليس غلاء بالمعنى المعروف، لأنه ليس سعر سلعة ارتفع. إنه ما يدفعه المواطن ثمنًا لغياب الدولة عن خدمة يُفترض أن تؤمّنها. في الأدبيات الاقتصادية يسمّونه «كلفة التكيّف». وأفضّل أن أسمّيه «كلفة فجوة الخدمة»، لأن التسمية الأولى تصف ما يفعله المواطن، والثانية تسمّي ما لم تفعله الدولة.
واللبناني يدفع هذه الكلفة من أكثر من باب. يدفع فاتورة كهرباء لبنان ثم يدفع المولد. يدفع اشتراك المياه ثم يدفع الصهريج. يدفع للضمان ثم يدفع للمستشفى والصيدلية. ليست فاتورة واحدة، بل فاتورتان لخدمة واحدة: واحدة للدولة، وواحدة لغيابها. وحتى رسم التوصيل، في القرى التي تعيش تحت الخطر، لم يعد رفاهية، بل صار ثمن ألا يخرج الإنسان من بيته. وهذه القرى نفسها يكاد المؤشر الرسمي لا يراها: إدارة الإحصاء المركزي تنبّه إلى أنها احتسبت مؤشر محافظة النبطية بأسعار مقدّرة في معظمها، لتعذّر جمع الأسعار الفعلية. المتوسط الوطني لا يرى البيت الجنوبي كما يعيشه أهله.
والأخطر في هذه الفجوة أنها مسعّرة بالمازوت. المولد مازوت، والصهريج مازوت، والنقل بنزين. لذلك حين ضربت صدمة الطاقة هذه السنة، لم تصب البيت مرة واحدة عند المحطة، بل مرة ثانية عند المولد، وثالثة عند الصهريج. الاستقرار النقدي لم يحمِ اللبناني منها، لأنها لم تمرّ بسعر الصرف أصلًا. دخلت من باب الخدمات التي تركتها الدولة للسوق.
ثم تعود الطاقة إلى الرف من الباب الخلفي. ربطة الخبز ارتفعت في آذار، ونزلت إلى 70 ألف ليرة في حزيران، وعادت إلى 75 ألفًا في تموز، وبلغت 80 ألفًا في أيلول. والوزارة نفسها تقول إن المازوت يشكّل نحو 22% من كلفة إنتاجها. هكذا لا تنتهي الصفيحة عند المحطة: تدخل الفرن والشاحنة والبرّاد، وتصل إلى المستهلك بعد أسابيع، ولا تغادره دائمًا بالسرعة نفسها حين تنخفض. هذا ما أسمّيه «ذاكرة السعر». لكنها ليست مفتاحًا لكل باب: ما لا تثبته البيانات يبقى بلا تفسير، إلى أن يثبت.
وحتى الأرجيلة، رفيقة السهرة اللبنانية، لم تسلم. علبة المعسّل الأكثر رواجًا، وسعرها الرسمي نحو عشرة دولارات، قفزت في السوق مع شحّ آخر 2025 إلى 15 و16 دولارًا، ثم هبطت في شباط إلى نحو 9، أي دون سعرها الرسمي نفسه. درس صغير في علبة: ما يدفعه اللبناني لا تحدده التسعيرة وحدها، بل ما يصل إلى الرف وكيف يصل.
من هنا يصبح السؤال «من أخذ الفرق؟» سؤالًا يحتاج إلى حذر. جزء منه كلفة مستوردة، وجزء ضرائب ورسوم، وجزء فجوات خدمة، وجزء داخل سلاسل الإنتاج والتوزيع، وجزء قد لا تفسره البيانات بعد. من يبحث عن متهم واحد يضيّع الطريق. تحديد المسؤولية يبدأ بعد تفكيك هذه القنوات، لا قبلها.
لكن الخلاصة السياسية لا تحتمل الحذر نفسه. تثبيت سعر الصرف إنجاز، لكنه نصف المهمة. النصف الآخر هو إغلاق الفجوات التي يموّلها المواطن من جيبه، لأنها البوابة التي تدخل منها كل صدمة خارجية إلى البيت. المواطن لا يعيش من عدد الليرات التي يساويها الدولار، بل من مقدار الحياة التي يستطيع دخله أن يشتريها.
لهذا بدأت بالمئة دولار، وأعود إليها من دون أن أغيّرها. بقيت مئة على الورقة. على الرف ما زالت قريبة من نفسها، وعند المحطة صارت نصف نفسها، وعند المولد أقل من ثلثيها.
المئة دولار لم تتقلّص، ما تقلّص هو مقدار الحياة التي تتّسع لها.
لكن ثمة رقمًا لم أجده في أي جدول، ولا أظن أن إدارة الإحصاء ستنجح يومًا في قياسه: اللبناني الذي يحسب ما في جيبه، ويكتشف أن المئة لم تعد تكفي لما كانت تكفيه، فيما هناك من لم يعد يملك حتى ترف النظر إليها، ثم يرفع رأسه ويبتسم. لا أعرف إن كانت ابتسامته تفاؤلًا أم عنادًا أم سخرية من حياة جرّبت معه الكثير حتى حفظ حيلها. ربما هي طريقته في أن يقول لها: أعرف أنك أصبحت أغلى، لكنني ما زلت هنا.
ثم يهزّ رأسه، ويقول بطريقته:
المئة بعدها مئة… بس الحياة صارت بدها أكتر.
المصادر: إدارة الإحصاء المركزي، مؤشر أسعار المستهلك (كانون الثاني إلى آب 2026)؛ وزارة الاقتصاد والتجارة، التقارير الأسبوعية لسلة الأسعار وقرارات تسعير الخبز؛ وزارة الطاقة والمياه، جداول أسعار المحروقات وتسعيرة المولدات لشهري كانون الثاني وآب 2026؛ إدارة حصر التبغ والتنباك، لائحة الأسعار الرسمية بتاريخ 6 شباط 2026؛ أسعار السوق للمعسّل: تحقيقات صحافية، ومنها تحقيق جريدة «المدن» في 5 شباط 2026. سعر الصرف المعتمد: 89,700 ليرة للدولار.


